مكالمة من الأعماق

منبر 17-09-2026 | 10:11

مكالمة من الأعماق

بعد غياب طويل قرر كسر القيود والتواصل معها. بعث لها برسالة مضمونها كلمة واحدة بعد تردد طويل يخبرها أنه هو، فكان الرد سريعاً كأنها كانت في انتظاره. تابع الكتابة يطلب فيها التحدث معها فكان الرفض سريعاً بعدم التكلم معاً. لم يرضخ لكلماتها لأنه يدرك ما يختلج في روحها كيف لا وهو حارسها الأمين ورفيق عمرها منذ عهود.
مكالمة من الأعماق
تعبيرية
Smaller Bigger

ريمون مرهج

 

 

بعد غياب طويل قرر كسر القيود والتواصل معها. بعث لها برسالة مضمونها كلمة واحدة بعد تردد طويل يخبرها أنه هو، فكان الرد سريعاً كأنها كانت في انتظاره. تابع الكتابة يطلب فيها التحدث معها فكان الرفض سريعاً بعدم التكلم معاً. لم يرضخ لكلماتها لأنه يدرك ما يختلج في روحها كيف لا وهو حارسها الأمين ورفيق عمرها منذ عهود.
ألحّ في الطلب وتمنى عليها أن تقبل ولو للحظات، فانتصر قلبها على خوفها وعقلها وقبلت. رنَّ هاتفه بغتة بين يديه. كانت هي المتصلة، فغمره الفرح والذهول المبهج كأنها زارته في بيته، فأسرع يتذكر كل ما حفظه في ذاكرته سابقاً ليحدثها به وأسئلة كان يود الجواب عليها، ولكنه لم يفلح فلقد نسي كل شيء في تلك البرهة وعليه أن يرد على الإتصال قبل أن تغير رأيها وتقفل الخط معه.
استقبل المكالمة قائلاً: مرحباً، كيف حالك؟
فكان جوابها بكلامٍ عادي بارد كأنها تود أن تخبره أن الأمر عادي ولا يهمها كل ما يحدث، فأردفت قائلة: أنا بخير، نعم؟ ماذا تريد؟
شعر أن الأرض تزلزلت من تحت أقدامه في تلك اللحظة سائلاً نفسه: لما هذا التهكم والتحدث بجفاء كأنه غريب وغير مرغوب فيه. لكنه تمالك نفسه وأكمل قائلاً: "كيف حال ملاكي؟ هل أنت مرتاحة نفسياً وجسدياً؟ أنا باقٍ على العهد وحبي لك رغم البعد والغربة لم يضمحل بل كبركان مشتعل لا تنضب حممه من الشوق والحنين. أنت معي في كل حين بل أتنفس من روحك القاطنة في صدري دوماً". 
ساد صمت قوي لثوانٍ معدودة بينهما كأن شمس حبهما بعثت بشعاعها بين ظلمات الحزن والأسى المتربص بصمت في أعماقهما. تغيرت لهجتها وكشفت عن قناع القسوة والنفور واستسلمت لصدق أحاسيسها ولحقيقة حبها، فشعر بدفء أنفاسها عبر الهاتف كأنها نسيم ناعم يلفح وجهه. ثم لامته قائلة له: لِمَ لم تمتثل لوعد قطعناه معاً فنبتعد ولا نلتقي مجدداً كي لا يصيبنا الأذى من مجتمع ظالم قاس وأن يبقى حبنا محفوراً في قلبينا بسر وصمت إلى الأبد؟ لا أود سماع صوتك؟ فقاطعها بصوت فيه بعض من الغضب: لماذا؟ هل أنت خائفة من الإستسلام لروحك وفؤادك لأنك تحبينني حباً عظيماً حينما تسمعين صوتي وهمساتي؟ أجابت: نعم، وأنت تعلم هذا. تعلم وتدرك انني أحبك وأن الحديث معك سيعيدني إلى لحظات رابطنا وسيحيي مشاعر حبي لك من جديد فيذوب كل جليد قد جعلته في أعماقي لأواجه روحك وهواك لي. يا حبيبي يا ملاكي وحارسي لا تجازف بسيرتنا وكرامتنا فنفقد حبنا العظيم حينما ننكشف وأغدو ضحية يرشقها المجتمع بحجارة الشائعات فأتمزق وتموت روحي ألف مرة قبل فناء جسدي.
أصابه الصمت لبعض الوقت وفكر في نفسه أنه لا يريد الأذى لحبيبته ولا أن يدهمها الخطر، ثم أجابها: ملاك روحي، يا طفلتي وسيدتي، يا مهجة الحياة في صدري، حسناً، سأفعل ما تطلبينه ولكن لا تهملي حبنا ولا تجعلي اليأس يغلب روحك النقية وطهارة قلبك، واجعليني دوماً نور الأمل والفرح في يومياتك. وتذكري أيضاً أنك أنت سبب وجودي وبريق الأمل والقوة في هذه الحياة. والآن أطلب منك أن تبوح روحك لي بكل ما تشعرين به قبل أن أقفل الهاتف وانهي المكالمة معك. قالت: حارسي الأمين، أحبك بل أنا متيمة بك فأنت تجري في عروقي وشراييني وبك يخفق قلبي. أنت أنا ومعاً نحيا بروح واحدة مهما أبعدتنا المسافات. إبق على وصايانا وعهد رابطنا المقدس ولا تنكسر ولا تفشل مهما واجهتك المصاعب، فأنا معك دوماً يا أغلى ما في حياتي... أحبك وأتمنى أن تتفهمني.
 ساد هدوء شامل وصمت مطبق خرقه بنبرات دافئة من صوته قائلاً: الآن يا ملاكي شعرت بالإمتنان وأطفأت في أعماقي ذلك البركان، الآن أعدتي إلي الطاقة والحياة لأكمل درب عمري على وصاياك، فيبقى حبنا سراجاً في الظلمات. الآن أستطيع أن أغلق الخط وأنهي المكالمة وأنا مرتاح، إنتبهي لنفسك لنقاء روحك يا ملاك قلبي... أحبك.
انتهى الحديث على الهاتف بينهما وبدأت روح كل منهما بالكلام في الأعماق ثم تتطاير فراشات مشاعر تتخطى كل المسافات لتصل إلى قلبيهما وتنثر أريج حبهما الطاهر على أنفاسهما، فيرددان في سرهما معاً: أنا هو وهو أنا الى الأبد.

العلامات الدالة