لبنان الذي لم نعشه

منبر 17-09-2026 | 09:52

لبنان الذي لم نعشه

ثمة لبنانُ يعيش اليوم على شاشات هواتفنا اكثر مما يعيش في شوارعه.
يظهر لنا فجاة في صورة قديمة لبيروت، سيارات متوقفة امام سينما لم تعد موجودة، واجهات محال تغيّرت، مقاهٍ كانت تعجّ بالناس، شوارع تبدو اقل ازدحاماً وأكثر ثقة بمستقبلها، ثم تأتي الأغنية القديمة، أو إعلان منسي، أو مشهد من فيلم، فتكتمل الصورة.
لبنان الذي لم نعشه
ساحة الشهداء
Smaller Bigger

قيس نمر

 

 

ثمة لبنانُ يعيش اليوم على شاشات هواتفنا اكثر مما يعيش في شوارعه.
يظهر لنا فجاة في صورة قديمة لبيروت، سيارات متوقفة امام سينما لم تعد موجودة، واجهات محال تغيّرت، مقاهٍ كانت تعجّ بالناس، شوارع تبدو اقل ازدحاماً وأكثر ثقة بمستقبلها، ثم تأتي الأغنية القديمة، أو إعلان منسي، أو مشهد من فيلم، فتكتمل الصورة.
ننظر قليلاً، ثم نقول: "يا ريت ترجع هالايام"
لكن ثمة سؤالاً صغيراً يفسد جمال العبارة:
أيّ أيام؟
والأهم، لماذا نشتاق إليها أصلاً؟
كثيرون ممن يرددون هذه الجملة اليوم لم يعيشوا تلك السنوات، بعضهم لم يولد بعد، وبعضهم كان طفلاً لا يتذكر منها شيئاً، ومع ذلك، يشعرون بأنهم فقدوا شيئاً كان لهم، وأن لبنان آخر كان موجوداً في مكان ما ثم اختفى.
كيف يمكن للإنسان أن يحنّ إلى زمن لم يعشه؟
ربما لأن الذاكرة لم تعد ملكاً لأصحابها وحدهم.
في الماضي، كان الوصول إلى الماضي يحتاج إلى شخص أكبر سناً يروي، أو إلى ألبوم عائلي، أو كتاب، أو مجلة، أو شريط فيديو محفوظ في درج.
أما اليوم، فقد أصبح الماضي يملك طريقاً مباشراً إلى غرفنا.
صورة عن "انستغرام"، تقود إلى أخرى، أغنية تستدعي أغنية، مشهد من فيلم قديم يعيد مدينة كاملة إلى الواجهة، حساب بيروت القديمة يمكن أن يفتح أمام المستخدم عشرات الحسابات المشابهة.
شيئاً فشيئاً، يتحول الماضي إلى تيار من الصور، نحن لا نذهب إليه، هو ياتي إلينا.
وهنا حدث تغير ثقافي مهم، فقد أصبحت المنصات الرقمية، إلى جانب الأرشيفات والمكتبات والمؤسسات الثقافية، واحدة من الأماكن التي تتشكل فيها علاقتنا بالماضي، وقد ظهر في النقاش الثقافي اللبناني الحديث وصف لهذه الظاهرة بوصفها نوعاً من "خوارزمية الحنين الجماعي": المنصات تعيد تدوير صور الماضي وتدفعها إلى جمهور واسع، فتمنح الذاكرة شكلاً جديداً قابلاً للتداول والمشاركة، لكن الخوارزمية، بخلاف الأرشيف، لا تسألنا ما الذي حدث؟
هي تسأل سؤالاً آخر: "ما الذي سيجعلنا نتوقف"؟
وهنا تبدأ المشكلة، لأن الماضي الذي يظهر أمامنا ليس الماضي كله.
نحن نرى بيروت الجميلة، نرى المقاهي والسينما والمكتبات والبحر والملابس والأغاني والواجهات، لكننا لا نرى بالضرورة كل ما كان خلف الصورة.
لا نرى التفاوتات الاجتماعية التي كانت موجودة، ولا الصراعات السياسية، ولا الخوف الذي سبق الحرب، ولا الناس الذين عاشوا على هامش المدينة ولم تدخل حياتهم في الصورة.
الصورة القديمة ليست كاذبة، لكنها، مثل كل صورة، منتقاة، إنها تحتفظ بلحظة وتترك ما حولها خارج الإطار، وحين تتكرر الصورة آلاف المرات، يمكن للحظة أن تتحول إلى تعريف كامل لحقبة.
هكذا يتحول "لبنان القديم" من تاريخ معقد إلى صورة، ومن صورة إلى حنين، ومن الحنين إلى أسطورة، ربما لهذا السبب علينا أن نتوقف أمام عبارة "الزمن الجميل".
جميل لمن؟ هذه ليست محاولة لإفساد الماضي، ولا دعوة إلى النظر إليه بعين سوداء، لكن الماضي لا يصبح جميلاً لمجرد أننا فقدناه.
كان زمناً مثل أي  زمن آخر، فيه ما يستحق الحفظ، وما يستحق النقد، وما يستحق النسيان، المشكلة أن المسافة الزمنية تمنحنا قدرة غريبة على التجميل.
ما كان عادياً يصبح تراثاً.
ما كان مؤلماً يصبح حكاية.
ما كان مأزقاً يصبح تفصيلاً.
وما كان مستحيلاً يصبح، في الذاكرة، أمراً بسيطاً.
ولعل أكثر ما يكشف ذلك هو أن كل جيل لبناني يملك "ماضيه" الخاص.
بالنسبة إلى شخص أكبر سناً، قد تكون بيروت التي تستحق الحنين هي بيروت الستينيات والسبعينيات، المدينة التي ارتبط اسمها بالصحافة والنشر والفنون والحياة الثقافية العربية.
أما بالنسبة إلى جيل آخر، فقد يكون الماضي هو بيروت التسعينيات: أولى سنوات ما بعد الحرب، التلفزيون، الكاسيت، المقاهي، وسط المدينة قبل أن تتغير صورته، والحمرا التي كان لها إيقاع مختلف.
وبالنسبة إلى جيل أصغر، قد لا يكون "الماضي" بعيداً إلى هذا الحد
قد يكون أوائل الألفية.
الهاتف القديم
أغاني الـ CD
منتديات الأنترنت
التلفزيون قبل أن يصبح الهاتف هو الشاشة الأساسية
طفولة قبل الانهيار الاقتصادي
وهنا تصبح المسالة أكثر إثارة.
ليس هناك لبنان قديم واحد
هناك لبنانات قديمة، بعدد الأجيال التي عاشت فيه، كل جيل يصنع نسخته الخاصة من البلد، ثم ينظر إليها بعد سنوات ويقول: كان كل شيء أجمل، ربما لم يكن كل شيء أجمل، ربما كان الزمن فقط زمننا، لهذا فإن الحنين لا يخبرنا عن الماضي بقدر ما يخبرنا عن الحاضر.
حين نشتاق إلى بيروت القديمة، إلى ماذا نشتاق في الحقيقة؟
إلى السينما؟
إلى المكتبة؟
إلى المقهى؟
إلى الموسيقى؟
أم إلى شعور أوسع بأن المستقبل كان ممكناً؟ ربما يكون هذا هو جوهر الحنين، نحن لا نفتقد الاشياء وحدها، نفتقد الإمكانات التي كانت تمثلها الأشياء.
المقهى ليس مجرد مقهى، إنه مكان يمكن أن تلتقي فيه بالآخر.
المكتبة ليست رفوفاً من الكتب، إنها وعد بأن المعرفة جزء من الحياة اليومية.
السينما ليست شاشة، إنها مدينة تجتمع حول قصة.
وحين تختفي هذه الأشياء، لا نفقد خدمات أو أماكن فقط، بل نفقد جزءاً من الطريقة التي كنا نتخيل بها المستقبل.
من هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الذاكرة الثقافية مهمة إلى هذا الحد في لبنان.
الأرشيف ليس مجرد مستودع للأشياء القديمة.
إنه محاولة للإجابة عن سؤال: من كنّا؟
لكن الارشيف الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجموعة من الصور الجميلة فقط، إنه أيضاً ما يزعجنا، ما لا نريد أن نتذكره، الأصوات التي لم تصل إلى الكتب، القصص التي لم تكتبها الصحف، صور الأحياء التي لم تكن تُعرض في البطاقات البريدية، حياة الناس العاديين، الذاكرة التي لا تصلح لـ انستغرام.
ربما تكون هذه هي الذاكرة التي نحتاج إليها أكثر من غيرها، لأن البلد الذي يتذكر نفسه من خلال الصور الجميلة فقط، معرّض لأن يتحول تاريخه إلى ديكور.
ومن المفارقات أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمكن أن تختزل الماضي إلى صورة، قد تكون في الوقت نفسه واحدة من الأدوات التي تنقذ الذاكرة من الاختفاء، فكثير من المواد التي كانت ستبقى حبيسة الأدراج أو البيوت أصبحت قابلة للمشاركة، صورة عائلية يمكن أن تتحول إلى وثيقة، تسجيل شخصي يمكن أن يصل إلى آلاف الناس، مجموعة من الصور القديمة يمكن أن تفتح نقاشاً عن حي كامل، وهنا تكمن قوة الثقافة الرقمية، إنها لا تلغي الأرشيف التقليدي، لكنها توسع من يملك حق رواية الماضي. المشكلة ليست في انستغرام أو غيره من وسائل التواصل الاجتماعي.
المشكلة في أن نخلط بين ما ينتشر وما يستحق أن يُتذكّر. فالأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الأكثر اهمية، والأكثر جمالاً ليس بالضرورة الأكثر صدقاً، والأكثر إثارة للحنين ليس بالضرورة الأكثر قدرة على شرح الماضي.
لذلك ربما نحتاج إلى نظرة مختلفة إلى صور "لبنان زمان"، لا أن نتوقف عن مشاركتها، بل أن نسألها:
من التقط هذه الصورة؟
من يظهر فيها؟
من يغيب؟
ماذا كان يحدث خارج إطارها؟
أي طبقة اجتماعية تمثل؟
وأي لبنان لا نراه؟
بهذه الأسئلة تتحول الصورة من مادة للحنين إلى مادة للتفكير، وهنا تستعيد الثقافة دورها الحقيقي، ليس أن تجعلنا نبكي على ما فقدناه، بل أن تساعدنا على فهم ما فقدناه. هناك فرق هائل بين الاثنين.
ربما نحن، في النهاية، لا نشتاق إلى لبنان الذي كان، نشتاق إلى لبنان الذي نعتقد أنه كان، وهذا ليس اتهاماً، إنها طبيعة الذاكرة البشرية.
فنحن لا نحمل الماضي كما حدث، بل كما بقي فينا، نضيف إليه ما سمعناه، وما رأيناه، وما رواه أهلنا، وما قرأناه، وما شاهدناه على الشاشة، ثم نصنع منه بلداً يمكن أن نسكنه من جديد، ولو للحظات، بلداً لا تصل إليه أزمات الحاضر، بلداً لا نعرف فيه ماذا سيحدث غداً، لأننا نعرف مسبقاً كيف انتهت الحكاية.
ولهذا يبدو الماضي أحياناً أكثر أماناً من المستقبل، لكن الحنين يصبح خطراً حين يتحول إلى بديل عن المستقبل، حين نقضي وقتنا في البحث عن لبنان الذي كان، بدل أن نسال عن لبنان الذي يمكن أن يكون، وحين نستخدم الماضي كي نثبت لأنفسنا أن كل شيء كان أفضل، بدل أن نبحث في الأسباب التي جعلت بعض الأشياء أفضل فعلاً.
الذاكرة عندها تصبح مخدّراً، أما الثقافة، فيجب أن تكون العكس، يجب أن توقظنا، لذلك ربما لا ينبغي أن يكون هدفنا أن نعيد "الزمن الجميل"، فالزمن لا يعود، وحتى لو عاد فلن يكون هو نفسه.
ما يمكن أن يعود هو بعض ما جعل ذلك الزمن قابلاً للحياة: المكتبة، المسرح، السينما، النقاش، الصحافة، المدينة المفتوحة، والقدرة على تخيل مستقبل مختلف.
وهذا هو السؤال الذي يهم اليوم أكثر من سؤال الحنين:
ماذا كان في لبنان القديم يستحق أن نعيده، وماذا كان يجب أن نتركه هناك؟
ربما هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يصبح فيها الماضي مفيداً
أن ننظر إلى الوراء، لا لكي نسكن فيه، بل لكي نفهم كيف وصلنا إلى هنا.
أن نحفظ الصورة، من دون أن نصدق أنها الحقيقة كلها
أن نحب الاغنية، من دون أن ننسى زمنها.
ان نشتاق إلى المدينة، من دون أن نخترع لها ماضياً لم يكن موجوداً
وفي النهاية، أن ندرك أن كل جيل سيترك خلفه لبنان آخر.
وإن أبناءنا، بعد سنوات، قد ينظرون إلى صور بيروت التي نعيش فيها اليوم، إلى المقاهي والشوارع والهواتف والاغاني التي نظنها عادية، ثم يتوقفون أمامها ويقولون:
"يا ريت ترجع هالايام"
عندها فقط سنفهم أن الحنين لم يكن يوماً إلى الماضي وحده، كان دائماً، بطريقة ما، إلى أنفسنا حين كنّا نعتقد أن المستقبل ما زال أمامنا.

                                                                                                               
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تكنولوجيا 9/14/2026 6:45:00 PM
حذّرت "بريد الجزائر" من عصابات تنتحل صفة المؤسسة وتستدرج زبائنها للحصول على كلمات المرور والبيانات السرية بهدف سرقة الأموال من حساباتهم.
لبنان 9/16/2026 1:33:00 PM
"جماعة إسرائيل" و"يا عيب الشوم"... سجالات تشعل مجلس النواب اللبناني