بودكاست مع داني حداد، من خشب البارودة إلى خشب الصليب

منبر 16-09-2026 | 10:24

بودكاست مع داني حداد، من خشب البارودة إلى خشب الصليب

في زمنٍ تماهت فيه ألسنة البارود، ودُوِّنت جغرافيا هذا الوطن بمداد الفجيعة، يطلّ علينا من عمق العتمة مَن يذكّرنا بأنّ قياس الإنسان لا يُستشفّ من صهيل غزواته ولا من سُكْرِ الإنتصارات العابرة، بل بعدد الأرواح التي انتشلها من براثن العدم، وبجرأته على إسقاط السلاح حين يشرق أوان البناء.
بودكاست مع داني حداد، من خشب البارودة إلى خشب الصليب
تعبيرية
Smaller Bigger

ريمي الحويّك

 

 

 

في زمنٍ تماهت فيه ألسنة البارود، ودُوِّنت جغرافيا هذا الوطن بمداد الفجيعة، يطلّ علينا من عمق العتمة مَن يذكّرنا بأنّ قياس الإنسان لا يُستشفّ من صهيل غزواته ولا من سُكْرِ الإنتصارات العابرة، بل بعدد الأرواح التي انتشلها من براثن العدم، وبجرأته على إسقاط السلاح حين يشرق أوان البناء.
في بودكاست "مع داني"، لا نتنشّق مجرّد حوارات تُؤرّخ لعبور ضيوف مرّوا على صفيح السياسة أو وطأة العسكر، بل نقف بتهيب أمام صلاة إنسانية ومراجعات وجدانية لأشخاص حملوا أوزار الفاجعة، ثمّ اختاروا، بفيض من النعمة، أن يُنفضوا عن أكتافهم غبار الحقد، لينقلوا الثقل من خشب البارودة العصيّة إلى سعة السلام.
وهنا تتجلّى كينونة التحوّل، فالسلْمُ ليس مضماراً للضعفاء ولا مفردةً تُقال في المحافل، بل هو أقصى درجات الشجاعة. الحرب تمنحك خصماً مجسّداً تُمزّق فيه أوهامك، أما السلام فيضعك عارياً أمام مرآة وجودك ومسؤوليتك المطلقة حيال الآخر، وحيال التراب، وحيال الخالق.
في لبنان، هذا الوطن المصلوب على جباله، حيث رضعنا الخوف وورثنا المقابر كما نرث الأسماء والقبور، يصرخ السؤال الفلسفي في برّية الضمير: ماذا يتبقّى من المعدن الأصمّ بعد أن يخفت دويّه؟
تبقى ندوبٌ تغور في الروح.
تبقى أمهات غزلن الإنتظار خيوطاً من همّ وغمّ.
تبقى بيوت خاوية، وشواهدُ قبورٍ تحرسُ صمتاً مريراً.
ويدوّي السؤال الأزلي: ألم يكن يسعنا أن نختار الورد بدلاً من الشوك؟
إنّ أبهى صور التجلي تكمن في أولئك الذين تطهّروا من وِزر السلاح ليحملوا الكلمة والفكرة، أولئك الذين أدركوا أنّ الإيمان الحقيقي لا يقدّس الفناء ولا يرتدي ثوب الموت، بل يحرس الحياة التي نفخ الله فيها من روحه. فالربّ لا يرتفع بكسر الأخ، بل بلمّ شتات الجروح، بالغفران، وببناء الهيكل الإنساني.
إن الوطن ليس مجرد حبرٍ على خرائط أو نشيدٍ يُعزف، الوطن هو أن يتحوّل الغريب إلى شقيق، والخلاف إلى حوار، وأن يغدو السلاح خياراً مستحيلاً لا ملجأً أوّل.
لبنان لا يستسقي أبطالاً يقهرون بعضهم، بل أعياناً ينتصرون على منطق القتل في داخلهم.
في بودكاست داني حدّاد، تغدو الذاكرة مذبحاً للتفكير، والسياسة حلبةً للتأمل الروحي. فالبارودة قد تخلق واقعاً وتفرض هيمنةً زائفة، لكنها تعجز عن غرس شجرة، أو تشييد مدرسة، أو مسح دمعة أمّ. السلام وحده هو الفعل الخلاق، هو المطر الذي يحيي الأرض الميتة، ويمنح الأطفال غداً لا يُجبَرون فيه على حمل بنادق آبائهم.
سلامٌ على كل روحٍ شجاعة عبرت من ضيق الثأر إلى أفق المصالحة. لقد حان الوقت لنكتب السِفر اللبناني الجديد، حيث البطولة ليست في إشعال الحريق، بل في إطفائه، وحيث الكتف الأقوى في تاريخ هذا الوطن ليس من حمل البارودة بل من ملَكَ شجاعة وضْعها أرضاً إلى الأبد.
تحية إلى داني حداد، الذي لم يتّخذ من منصّته مجرّد مساحة للحوار السياسيّ العابر، بل جعل منها مِحراباً لمكاشفة الذات الوطنية، ومرآةً صافية تعيد الى الكلمة إشعاعها الأخلاقيّ وسط عتمة الإصطفافات.
تحية لمن فتح أثيره ليكون ممرّاً قيامياً، يمنح الذاكرة الجريحة فرصة التطّهر من أوزار الأمس، ويُتيح للشهادة الإنسانية أن تخلع عنها دروع الحرب لتنطق بلغة الضمير.
تحية إلى من تجرأ ونقل البندقية من الكتف إلى الرّف.
تحية إلى من تجرّأ واعترف وتاب وصالح، فبأمثال هؤلاء فقط، يُطوى سِفر الدم، ويُكتب للوطن فصلٌ جديدٌ من قيامة السلام.
تحية إلى من غادر خنادق الموت، ليجلس في حضرة الصمت ويرى حقيقة الوجود.
تحية إلى من غادر حلبة الدّم، ونفض عن عباءته غبار ماضي المعارك والحقد والثأر وصعد إلى سكون التلة ونفحات البخور.
تحية إلى من ترك لغة الثأر وجلس أمام خشب الصليب يستمع إلى لغة المغفرة.
تحية إلى من بدّل ثياب القتال بلباس التوبة والسكينة، مصلياً أن يُغسل قلبه من أدران الماضي.
تحية إلى مَن ترك صهيل البارود وصعد إلى ظلال عنّايا، إلى جوار القديس شربل.
شكراً لِداني حداد، لأنّه يُذكّرنا، حواراً تلو حوار، بأن الإعلام ليس مناكفةً على الهوامش ولا استعراضاً للقوة، بل هو فعلُ حبّ وأن الثقافة والفكر والسياسة تسقط جميعها وتغدو هباءً إن لم تكن في جوهرها مبنيّة على تقديس روح الإنسان، وصون كرامته، وبناء وطنٍ لا يُقاس بحجم بنادقه بل بسعة غفرانه.
ختاماً، إن المحبة التي غسلت أقدام الخاطئين وغفرت للصالبيين هي القوة الوجودية الوحيدة، فمن يلقي السلاح لا ينكسر، بل يولد من جديد في روح القيامة، متسلّحاً بالنور الذي لا تطفئه عتمة العالم، ليكون حقاً من أبناء الله وصانعي سلامه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/14/2026 6:45:00 PM
حذّرت "بريد الجزائر" من عصابات تنتحل صفة المؤسسة وتستدرج زبائنها للحصول على كلمات المرور والبيانات السرية بهدف سرقة الأموال من حساباتهم.
لبنان 9/14/2026 2:19:00 PM
أصدر "حزب الله" بيان أعلن فيه ضمناً تبرؤه من كل من يتكلم باسمه من محللين وصحافيين، فمن كان يقصد؟ وماذا يحصل داخل آلته الإعلاميّة؟
لبنان 9/13/2026 6:52:00 PM
ختمت الإدارة بيانها بالتأكيد أنها تؤمن بأنه "كما نهض القصر من بين الركام، سينهض لبنان من جديد"، وأن الجنوب "بكل ما يمثله من صمود وتاريخ، سينهض معه"...
لبنان 9/15/2026 7:32:00 PM
روت رئيسة مجموعة "النهار" نايلة تويني تفاصيل لقائها الرئيس السوري أحمد الشرع في دبي، والسؤال الذي طرحته عليه بشأن مستقبل الإعلام وحرية التعبير في سوريا.