في أثر الحرب على إيران (1): استعراض ما حصل حتى اليوم في بحر العرب والبحر الأحمر
عدنان مومنه وعباس سبيتي
في أعقاب الحرب الأخيرة على المنطقة، لم تقتصر التداعيات الناتجة منها على المواجهة العسكرية والصواريخ، بل امتدت إلى أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وتأتي هذه التطورات في سياق تحولات شهدتها السياسة الخارجية الأميركية خلال العقدين الأخيرين، مع انتقال أولوياتها الإستراتيجية نحو احتواء صعود الصين، الأمر الذي انعكس على مقاربتها لمنطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث سعت إلى إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بما يسمح لها بتخفيف انخراطها المباشر في المنطقة وتركيز اهتمامها على شرق آسيا.
وفي هذا السياق، برز دور إسرائيل بصفتها الحليف الإقليمي الأكثر أهمية في الرؤية الأميركية، بالتوازي مع استمرار محاولات احتواء القوى الإقليمية المناهضة لهذا التوجه. ومع اندلاع الحرب الأخيرة على إيران، لم تعد البحار والمضائق مجرد ممرات للنقل، بل تحولت إلى إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي، حتى غدت حركة التجارة العالمية نفسها أداةً للردع والضغط المتبادل. فقد تحول البحر الأحمر وبحر العرب إلى ساحتين لإعادة رسم معادلات القوة، وتحويل التداعيات الإقليمية للحرب إلى نتائج تمس شرايين الاقتصاد العالمي. ومن هنا، تكتسب قراءة ما جرى في هذين الممرين أهمية خاصة لفهم جانب أساسي من التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب على إيران، وانعكاساتها على التجارة الدولية.
أعلنت القوات المسلحة اليمنية أولى عملياتها العسكرية إسناداً الى غزة ودول المقاومة في 31 تشرين الأول 2023 (رويترز، 2023). وكانت بداية العمليات العسكرية للقوات اليمنية إطلاق دفعة من صواريخ "فلسطين" الّتي استهدفت شمال الاحتلال الإسرائيلي (رويترز، 2023). إلّا أنّ قوّة اليمن الأساسية لا تكمن في ثلّة من الصواريخ، رغم جدواها، إنّما في ما تستطيع فعله بالتجارة العالميّة ومنع وصول الشحنات للاحتلال ومعاونيه.
ومع ذلك، لم تنخرط اليمن في المعركة بكلّ قوّتها. وقد علّلت ذلك صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، بأن السبب الاستراتيجي والعسكري وراء إعلان القوات المسلحة اليمنية انخراطها بالحرب بهذا الوقت تحديداً قد جاء لمنع مرور حاملتي طائرات أميركيتين عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد إعلان البنتاغون أن حاملة الطائرات جورج بوش في طريقها مع مجموعة من ثلاث مدمرات قتالية إلى حوض المتوسط، بالإضافة على إعلان الولايات المتحدة تحريك USS Dwight D. Eisenhower ومجموعتها القتالية نحو المنطقة (وزارة الحرب الأميركية، 2023).
فإن اليمنيين، "أنصار الله"، لديهم القدرة على تهديد مرور حاملات الطائرات بصواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيرة، وقوارب مفخخة سريعة وألغام البحرية، فردع أميركا وإغلاق مضيق باب المندب. فبحسب صحيفة "كالكاليست" العبرية فإن البحر الأحمر عاد ليُصنف منطقة خطر، وقد حذرت الصحيفة من أن أي تدخل يمني عبر إغلاق باب المندب قد يؤدي إلى اضطراب طويل الأمد في خط الإمداد بين آسيا وأوروبا (وكالة وطن للأنباء، 2026).
استطاع اليمنيون، من خلال هذه الاستراتيجية، عولمة القضية الفلسطينية ونقلها من نزاعٍ إقليمي إلى قضية تاريخية، وفتح باب عزل إسرائيل اقتصادياً. فقد ذكر متحدث باسم "أنصار الله" أن الهدف من تكرارالضغط والعمليات العسكرية في البحر الأحمر هو التأكيد على وجوب إنهاء العدوان على قطاع غزة (كرين، 2024).
تمثل استراتيجية الحوثيين في استهداف حركة الشحن البحري شكلاً جديداً من عولمة صورة الإحتلال الإسرائيلي على فلسطين. ففي هذه الحالة، تستخدم جماعة مسلحة محدودة الموارد لكنها مصممة على تحقيق أهدافها أسلحة مخفوضة التكلفة لإعادة تشكيل أنماط التجارة البحرية بطرق تزيد من التكاليف التي يتحملها داعمو إسرائيل. وقد أكد الحوثيون مراراً أن هجماتهم الدفاعية تهدف إلى زيادة الضغط على الكيان الإسرائيلي لإنهاء الصراع في غزة. ورغم أن الوسائل المستخدمة غير مباشرة، فإنها تطرح تحديات جديدة أمام المعايير الدولية المتعلقة بحرية الملاحة (كرين، 2024).
تفرض هذه الإجراءات التي ينفذها الحوثيون تكاليف جديدة وخسائر مالية على شركات الشحن، بحيث تتحمل الشركات الداعمة للإحتلال النصيب الأكبر من هذه التكاليف نتيجة اضطرارها إلى سلوك طريق بديل حول رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا، وهذا يضيف قرابة أسبوعين إلى مدة الرحلة. وفي المقابل، تتمتع السفن المرتبطة بالدول غير الداعمة بميزة تنافسية من خلال تجنب النفقات الإضافية الناجمة عن هذا التحويل. ومن هذا المنظور، تشبه هذه الإستراتيجية اليمنية عقوبات اقتصادية موجهة نحو الإحتلال الإسرائيلي وداعميه (كرين، 2024).
فمثلاً لم تشهد عمليات الشحن التابعة لشركات مثل COSCO وOOCL الصينيتين، وK Line الكورية الجنوبية، وEvergreen التايوانية تغيراً يُذكر في أنماط تشغيلها، في حين قامت معظم رحلات شركات Maersk الدانماركية أو جميعها، وZIM الإسرائيلية، وMitsui O.S.K. Lines اليابانية، وWallenius Wilhelmsen السويدية-النرويجية، و CMA CGM الفرنسية، بتحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح. كما أفادت التقارير بأن سفن الحاويات التابعة لشركة COSCO الصينية واصلت عبورها البحر الأحمر من دون معوقات حتى أواخر فبراير/شباط، بينما بدأت شركات شحن صينية أخرى بتعزيز وجودها على خطوط الملاحة عبر البحر الأحمر للاستفادة من سهولة الوصول وارتفاع أسعار الشحن، الأمر الذي منحها ميزة تنافسية مقارنة بالشركات التي اضطرت إلى تغيير مساراتها (كرين، 2024).
اتبع الحوثيون هذه المعايير الانتقائية في تحديد الأهداف، إذ أعلنوا أن السفن غير المرتبطة بإسرائيل أو بالدول الداعمة لها يمكنها مواصلة العبور بأمان. كما أشارت تقارير إلى أن بعض السفن كانت تُعرِّف عن نفسها عبر أجهزة الاتصال بأنها لا تتجه إلى الموانئ الإسرائيلية أو أن طواقمها تضم بحارة مسلمين أو لا تربطها أي صلة بإسرائيل، الأمر الذي كان يُساهم في السماح لها بالعبور من دون استهداف. ويعكس ذلك أن الهدف لم يكن تعطيل الملاحة الدولية بصورة شاملة، وإنما استخدام الممر البحري أداةً لفرض ضغوط اقتصادية انتقائية على إسرائيل وداعميها (كرين، 2024).
في المقلب الآخر، صرّح العرض التقديمي لشركة Wood Mackenzie أن في الظروف الطبيعية، تعبر قناة السويس نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك 30% من حركة شحن الحاويات. كما يعبر البحر الأحمر حوالى 15% من تجارة النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة عالمياً، أي ما يقارب 8.5 ملايين برميل نفط يومياً (كما أشار إليه كرين، 2024).
ومع اقتراب الهجمات من شهرها الرابع، انخفض عدد السفن العابرة للبحر الأحمر بنسبة 65% مقارنة بمتوسط عام 2023، وذلك وفقاً لبيانات شركة Clarksons للاستشارات البحرية. كما تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي (2024) تراجع متوسط عدد السفن العابرة يومياً من 74 سفينة في عام 2023 إلى 45 سفينة يومياً خلال الأسابيع الأخيرة، في حين تشير بيانات Bloomberg إلى ارتفاع عدد السفن التي تسلك طريق رأس الرجاء الصالح بنسبة 54% خلال المدة نفسها (كرين، 2024).
هذا ما هدد بعزل إسرائيل دولياً. وهذا يوجه إسرائيل إلى اعتماد تجارة الترانزيت، التي تنقل من دولة إلى أخرى ثم تُوجَّه إلى الكيان الصهيوني، ما يرفع تكلفة النقل كثيراً، الأمر الذي يزيد من الضغط على الاقتصاد والمالية العامة في الكيان، فضلاً عن ارتفاع مستويات التضخم والضغوط المعيشية، ما يرفع الضغط الشعبي على حكومة نتنياهو، التي عجزت عن حماية إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً (كرين، 2024).
وقد كشفت الحرب عن تصاعد أزمة التجنيد داخل إسرائيل، حيث حذر عشرات من قادة قوات الاحتياط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أن الصيغة المقترحة لقانون التجنيد تُلحق ضرراً بالغاً بالأمن القومي، في ظل النقص المتزايد في القوى البشرية داخل الجيش. وأمام تصاعد الخلافات، اضطرت الحكومة إلى تأجيل مناقشة مشروع القانون، بينما برزت خلافات حادة بشأن تجنيد الحريديم، إذ اقترح نتنياهو تجنيد أعداد محدودة منهم سنوياً، وهو ما قوبل برفض من الأحزاب الدينية وانتقادات من قوى المعارضة، التي اعتبرت المشروع تكريساً للإعفاء من الخدمة العسكرية، محذرةً من تداعياته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على الكيان الإسرائيلي (الجزيرة، 2024).
أدت هذه المواجهات الأمنية والإجتماعية والإقتصادية إلى إجلاء ما يقارب 250 ألف إسرائيلي من المناطق المحاذية لقطاع غزة والحدود الشمالية مع لبنان، في إطار إجراءات أمنية اتخذتها الحكومة. ووفقاً للبيانات الرسمية، أُسكن النازحون في مئات الفنادق ومراكز الإيواء، في حين لم يتمكن نحو 40% منهم من العودة إلى منازلهم حتى ذلك الوقت، الأمر الذي فرض أعباءً مالية متزايدة على الموازنة العامة، وكشف عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية الممتدة للحرب داخل إسرائيل (الجزيرة، 2024).
بالإضافة الى تداعيات العمليات البحرية التي قامت بتعطيل الملاحة المرتبطة بإسرائيل وزعزعة استقرارها، امتدت أيضاً إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في خليج عدن والقرن الإفريقي. فقد تزامنت عودة نشاط القرصنة الصومالية مع تصاعد العمليات البحرية الحوثية، مستفيدةً من انشغال القوات الأميركية بعمليات القتال في البحر الأحمر، الأمر الذي وفّر بيئة أمنية أكثر هشاشة استغلتها شبكات القرصنة. كما أشارت تقارير أمنية إلى تنامي أشكال من التعاون بين الحوثيين وبعض القراصنة المسلحين في الصومال، شملت شبكات التهريب والتنسيق البحري، بما يعكس تزايد الترابط بين الفاعلين غير الحكوميين في تهديد أمن الملاحة الدولية (Bucci, 2026).
فلم يكن اعتماد اليمن، على رغم مواقعها الإستراتيجية، على سواحلها فقط، بل كان اعتمادها أيضاً على جزر حنيش وسقطرى جنوب البحر الأحمر، التي أضحت منطلقاً للعمليات اليمنية. فبحسب موقع الجزيرة (2015)، شكّلت جزر حنيش عبر التاريخ هدفاً للقوى الاستعمارية المتعاقبة، نظراً الى ما تتمتع به من أهمية استراتيجية نابعة من موقعها المطل على البحر الأحمر. وقد جعلها هذا الموقع قاعدةً عسكرية مناسبة لحشد القوات والانطلاق نحو مدن الساحل الغربي لليمن، ولا سيما منها الحديدة والخوخة وميناء المخاء.
وتشير المصادر التاريخية إلى تعاقب الأطماع على هذه الجزر. فالبرتغاليون بسطوا سيطرتهم على جزيرة حنيش الكبرى عام 1513م، عقب إخفاقهم في احتلال ميناءي عدن والمخاء، قبل أن تقع الجزيرة تحت الاحتلال الفرنسي عام 1738م (الجزيرة، 2015). كما شهدت الجزيرة مراحل متعاقبة من الوجود البريطاني، إذ احتلتها بريطانيا لأول مرة عام 1799م ثم انسحبت منها، قبل أن تعود لفرض سيطرتها عليها عام 1857م بعد إحكام نفوذها على عدن وجنوب اليمن، واستمر هذا النفوذ لعقود طويلة (الجزيرة، 2015).
وخلال الحرب العالمية الأولى، اكتسبت حنيش الكبرى أهمية عسكرية متزايدة، إذ استخدمتها بريطانيا قاعدةً بحرية لتموين سفنها بالفحم والوقود، فضلًا عن توظيفها في عمليات حصار القوات العثمانية خلال الحقبة الممتدة بين عامي 1914 و1918. ومع استقلال عدن وجنوب اليمن عام 1967، عادت الجزيرة إلى السيادة اليمنية وأصبحت تُدار من الدولة اليمنية (الجزيرة، 2015).
وفي سبعينيات القرن العشرين، أتاحت اليمن للثوار الإريتريين استخدام جزيرة حنيش الكبرى قاعدةً لعملياتهم العسكرية ضد الاحتلال الإثيوبي، كما استُخدمت الجزيرة في إطار التحضيرات العسكرية المصرية لحرب أكتوبر عام 1973، بحيث سُمح للقوات المصرية بالتواجد فيها (الجزيرة، 2015).
إلا أن النزاع على الجزيرة تجدد في 15 كانون الأول/ديسمبر 1995، عندما شنت القوات الإريترية هجوماً على الحامية اليمنية المتمركزة في حنيش الكبرى وسيطرت عليها، مدعية أحقيتها بالسيادة عليها. وانتهى هذا النزاع بإحالته على التحكيم الدولي، الذي قضى بسيادة اليمن على الجزيرة، لتنسحب إريتريا منها وتُسلَّم رسمياً إلى اليمن في تشرين الثاني/نوفمبر 1998 (الجزيرة، 2015).
شكلت الأهمية الاستراتيجية لجزر حنيش من موقعها الجغرافي المطل على جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، محور نزاع بين اليمن وإريتريا خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يُحال النزاع على التحكيم الدولي، الذي أقرّ سيادة اليمن على جزء كبير من الأرخبيل، مع ترسيم الحدود البحرية بين البلدين (القصاب، 2018).
بالإضافة الى ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للجزر اليمنية لم تقتصر على أرخبيل حنيش، بل تمتد أيضاً إلى أرخبيل سقطرى، الذي يقع عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويشرف على خطوط تدفق النفط الخليجي ومسارات الملاحة الدولية، الأمر الذي يمنحه أهمية جيوسياسية واستراتيجية استثنائية في تأمين أو التأثير في أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم (مركز الجزيرة للدراسات، 2020).
تكشف التطورات التي شهدها البحر الأحمر وبحر العرب أن الحرب الأخيرة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، لتطاول أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي، وهو حركة التجارة البحرية. فقد أثبتت الأحداث أن الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لعبور السفن، بل أصبحت أدوات للتأثير في موازين القوى والاقتصاد الدولي، وأن أي اضطراب فيها ينعكس مباشرةً على الأسواق العالمية وعلى حسابات الدول الكبرى والإقليمية على حد سواء.
وإذا كان البحر الأحمر وباب المندب قد شكّلا الساحة الأولى لهذه التحولات، فإن آثارها لم تتوقف عند حدودهما، بل امتدت إلى الخليج العربي، حيث بدأت تفرض واقعاً سياسياً واقتصادياً جديداً على دوله وتحالفاته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة انعكاسات هذه الحرب على مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يتناوله الجزء الثاني من هذه السلسلة.
نبض