لبنان... من تصدير الثقافة إلى "تثقيف" الفضائح؟

منبر 26-08-2026 | 11:37

لبنان... من تصدير الثقافة إلى "تثقيف" الفضائح؟

في كل مرة يعتقد اللبنانيون أن بلادهم وصلت إلى القاع، تأتي فضيحة جديدة لتؤكد أن الانحدار لم ينتهِ بعد. لم يعد اسم لبنان يتصدر عناوين الأخبار بسبب الإبداع، أو الفن، أو الجامعات، أو السياحة، بل أصبح يتكرر في سياق الفضائح، وقصص مواقع التواصل الاجتماعي، والجدل الذي يمتد من بيروت إلى مختلف أنحاء العالم العربي.
لبنان... من تصدير الثقافة إلى "تثقيف" الفضائح؟
صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي
Smaller Bigger

قاسم محمد العزير 

 

 

في كل مرة يعتقد اللبنانيون أن بلادهم وصلت إلى القاع، تأتي فضيحة جديدة لتؤكد أن الانحدار لم ينتهِ بعد. لم يعد اسم لبنان يتصدر عناوين الأخبار بسبب الإبداع، أو الفن، أو الجامعات، أو السياحة، بل أصبح يتكرر في سياق الفضائح، وقصص مواقع التواصل الاجتماعي، والجدل الذي يمتد من بيروت إلى مختلف أنحاء العالم العربي.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسرح مفتوح، وصارت الشهرة هدفاً بحد ذاتها، ولو كان ثمنها سقوط الكثير من المعايير. والأخطر أن بعض الشخصيات التي صنعتها المنصات الرقمية أصبحت تمثل، في نظر الملايين، صورة لبنان، بينما الواقع يقول إن لبنان الحقيقي أكبر بكثير من هذه الصورة المشوهة.

وفي الفترة الأخيرة، ازدادت حدة الجدل مع سلسلة من الأحداث والفضائح التي ارتبطت بعدد من المشاهير وصنّاع المحتوى اللبنانيين، بالتزامن مع طلاق معظم صناع المحتوى وتحول حياتهم الشخصية إلى مادة يومية للنقاش والتعليق والتشهير أحياناً. فبدل أن تبقى حالات الطلاق شأناً خاصاً بين أصحابها، أصبحت تفاصيل العلاقات والانفصالات والخلافات العائلية مادةً للمتابعة الجماهيرية، وكأن الحياة الخاصة تحولت إلى مسلسل مفتوح على منصات التواصل.

ولم تتوقف الأمور عند حدود الطلاق والانفصال؛ إذ جاءت الأحداث الأخيرة وما رافقها من فضائح وقضايا أثارت الرأي العام العربي لتعيد طرح سؤال مؤلم: لماذا يتكرر حضور لبنان في هذا النوع من الأخبار؟ وما الذي أوصل صورة بلد كان يُلقب بـ"سويسرا الشرق" إلى هذا المستوى من الاهتزاز؟

وبطبيعة الحال، فإن بعض ما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام قد يبقى في إطار الادعاءات أو التحقيقات، ولا يجوز التعامل معه باعتباره حقائق نهائية قبل صدور أحكام أو نتائج رسمية. لكن حجم الجدل وانتشار هذه القضايا يكشفان عن أزمة أعمق من أي قضية منفردة.

المشكلة ليست في فضيحة واحدة، ولا في شخص واحد، ولا في منصة واحدة. المشكلة في ثقافة كاملة جعلت الشهرة أغلى من السمعة، والانتشار أهم من الاحترام، والمال السريع أهم من بناء اسم نظيف يدوم لعقود.

في الماضي، كان اللبناني يُعرف بالطبيب، والمهندس، والصحافي، والموسيقي، ورجل الأعمال الناجح. أما اليوم، فقد باتت الخوارزميات تمنح الضوء لمن يثير الضجة أكثر ممن يصنع الإنجاز. وأصبحنا نعيش زمناً تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، لا بحجم الأثر الحقيقي.

لكن هل الخطأ يقع على صناع المحتوى وحدهم؟ بالتأكيد لا.

المجتمع نفسه يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية. فنحن من يمنح المشاهدات، ونحن من يصنع "الترند"، ونحن من نحول بعض الأشخاص إلى نجوم بين ليلة وضحاها، ثم نتفاجأ عندما تصبح حياتهم الخاصة، وطلاقاتهم، وخلافاتهم، والقضايا المرتبطة بهم، مادة يومية للإعلام ومنصات التواصل.

وهنا تبرز ظاهرة أخرى لا تقل خطورة: تحويل الحياة الخاصة إلى محتوى. فبعد أن كان الطلاق شأناً عائلياً يُعالج بعيداً عن الأضواء، أصبح في بعض الحالات حدثاً جماهيرياً يتابعه الآلاف، ويتدخل فيه الجمهور، ويحلل تفاصيله، وينحاز إلى طرف ضد آخر. وهكذا لم تعد الشهرة مرتبطة بما يقدمه الشخص فقط، بل أصبحت حياته الشخصية نفسها جزءاً من المنتج الذي يقدمه لجمهوره.

هناك أيضاً مسؤولية على الإعلام، الذي أصبح في كثير من الأحيان يلهث خلف العنوان الصادم أكثر من الحقيقة، وخلف عدد النقرات أكثر من المهنية. فعندما تتحول الفضائح إلى سلعة، يصبح الجمهور معتاداً على استهلاكها، وتفقد الصدمة معناها، ويصبح البحث عن القصة الأكثر إثارة أهم من البحث عن الحقيقة.

ومع ذلك، من الظلم أن يُختزل لبنان بهذه الصورة. فهذا البلد لا يزال يضم آلاف الشباب الذين ينجحون في الطب، والهندسة، والعلوم، والفنون، وريادة الأعمال، لكن قصصهم لا تجد مساحة توازي مساحة الفضائح. فالنجاح الهادئ لا ينافس الضجيج الذي تصنعه الخوارزميات.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الفضيحة نفسها، ولا الطلاق بحد ذاته، ولا حياة الأشخاص الخاصة، بل تطبيع المجتمع مع تحويل كل ذلك إلى مادة للفرجة والاستهلاك. أصبح الخبر الصادم يدوم يومين، ثم يُنسى ليحل مكانه خبر أكثر صدمة. وهكذا ندخل في دوامة لا تنتهي، تُستهلك فيها السمعة، وتُستنزف الثقة، ويصبح كل شيء قابلاً للتحول إلى محتوى.

ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا سؤالاً مختلفاً: هل نريد أن يبقى اسم لبنان حاضراً في ذاكرة العالم العربي بوصفه بلد الثقافة والإبداع، أم بلد العناوين الصاخبة والفضائح المتكررة؟

فالبلدان لا تُقاس بعدد الترندات، ولا بعدد المشاهدات التي تحصدها فضيحة أو قصة طلاق، بل بما تتركه في ذاكرة الشعوب.

ولبنان يستحق أن يعود حاضراً بعلمه، وثقافته، وفنه، وإبداع أبنائه، لا بأن يُستدعى اسمه كلما انفجرت قضية جديدة أو تصدرت فضيحة المشهد.

لأن الأوطان تُبنى بالقيم، لا بالمشاهدات. والتاريخ لا يكتب أسماء من صنعوا الضجيج، بل أسماء من صنعوا الفرق.

                 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
أوروبا 8/25/2026 12:54:00 AM
إعلامية فرانس 2 ليا سلامة تنسحب من تقديم النشرة بسبب ترشح شريكها رافاييل غلوكسمان للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.
لبنان 8/25/2026 11:25:00 AM
هل تمكّن لبنان من استبدال كل جوازاته القديمة قبل انتهاء المهلة؟ وماذا عن اللبناني الذي دفع رسوم جواز لا يزال صالحاً لسنوات؟
لبنان 8/25/2026 12:00:00 AM
مصدر أمني لبناني تحدّث عن سيناريوين أمام مصير مرتفعات علي الطاهر، فإما أن يتسلّمها الجيش اللبناني من "حزب الله" أو أن تشن إسرائيل معركة عسكرية للسيطرة عليها