"السياسة فن الممكن... لكن العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكنا"
بسام ن. ضو - كاتب وباحث سياسي - أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية
على ما يبدو إنّ غياب القيم السياسية– الوطنية- الأخلاقية– الإنسانية في وعي معظم ساسة لبنان، علمانيين وروحيين، يجعل في المرحلة الراهنة إحياء المسار الوطني النبيل أمــراً مستحيلاً. المطلوب اليوم وقف التكاذب والتنكُّــرْ للذات، مواقف الساسة اليوم هي تعبير عن مواقف ضعيفة متردِّدة تفتقر إلى الجرأة والحزم في التعبير عن الرأي الصارم والصادق، أو عدم القدرة على مواجهة الازمات، وغالباً تُصادف مراكز الأبحاث خنوعاً وتهرباً من المسؤولية والغاية حفظ المكتسبات الضيِّقة.
في لبنان عملية تضليلية سياسية ممنهجة ينتهجها الساسة معطوفة على عملية إستقطاب سياسي وصل إلى حــد التضليل الممنهج للرأي العام، ومن موقع المسؤولية كمركز أبحاث PEAC مبدئياً هناك خيارات عدّة للتعامل مع هذا النهج السياسي الإنحداري ويكون إمّا بتجاهلها لتفادي تصعيدها وإما فضح الأكاذيب المعتمدة عن طريق تكثيف الإطلالات الإعلامية السياسية الأمنية القضائية للتقليل من أهمية المصدر المُضلِّلْ، بحيث لا يأخذه الرأي العام على محمل الجد وبالتالي تتوّضح أمامه الصورة الصادقة الموّثقة بالأدلّة والبراهين .
ساسة يحتالون على الرأي العام ويُشيِّعون أنّ "السياسة فن الممكن" أو ما تمّ تسويقه في الماضي "قوّة لبنان في ضعفه" أو "الوضع أكبر منّا" أو "لعبة أممية..." أو "الحق ع الطليان". تعابير ترجمتها العملية ساسة يقومون بالخداع والتحايل والدعاية السياسية الفاشلة... وهناك من يتصدّر في مواقفه التأثر فيتعمد البكاء، والدموع الكاذبة تحوّلت في مناسبات كثيرة لمصدر قوة ووسيلة لإيصال حالات إنفعالية يعجز الباكي المتوّهم موقفاً عن إيصال الحقيقة، لأنّ تحريك المشاعر والتأثير بها سلاح أمضى من أي كلمة قد تخاطب العقل المتنوّر .
في النظام السياسي اللبناني بات من الشائع إعتماد فن "الخـداع والكذب" وغالباً من يتم تداول هذا الأمر في الأماكن العامة. شعب لبنان يئسَ من الساسة غير الصادقين والعاجزين عن إتخاذ موقف ما، والأزمة السياسية تتفاقم على كل المستويات. ومن المعلوم لدى عامة الشعب أن الكذب السياسي يُعد من الكبائـر سواء على الصعيد الأخلاقي– الفكري– الفلسفي– الديني أكان نابعاً من مسؤول رفيع المستوى سياسي أو عسكري أو من أفراد أو من أحزاب أو من جماعات مرتهنة أو من رجل دين. المشكلة الأكثر خطورة أنّ النظام السياسي الذي يتكوّن من مؤسساتٍ إجرائية تنفيذية تشريعية قضائية أمنية هو الأكثر كذباً وتهرباً من المسؤولية وأكثر الطغاة في الممارسة السياسية .
"السياسة فن الممكن"، تعني تهرُّب السياسيين من المسوؤلية وهي حالة شائعة في لبنان تتكرَّرْ عندما يتجنّب المسؤولون وهم دستورياً أصحاب القرار الإعتراف بالخطأ أو مواجهة الأزمات، وهذا ما أضعف ثقة الرأي العام بهم... والتهرُّب من المسؤولية له أبعاده على مستوى ساسة الأمر الواقع في لبنان وهو يتمحور على الشكل الآتي:
أ- الخوف من الخسارة في الإنتخابات أو ضياع المناصب التي إكتسبوها زوراً ودحضاً للنظام الديموقراطي.
ب- إلقاء اللوم على الأطراف الخارجية وعلى كل طرف يُنافس هؤلاء ديموقراطياً.
ج- ضعف الأجهزة الرقابية التي تُحاسب أي سياسي مُقصِّرْ.
د - الإعتماد على التضليل الممنهج وعلى الخطابات الإعلامية بدلاً من الأفعال الصادقة والصارمة.
إضافةً إلى الممارسة المصطنعة التي لها العديد من المظاهر وأهمها:
أ- تباين في المواقف الوطنية وتبادل الإتهامات بين أركان السلطة كما تبادل الإتهامات بين الأحزاب والقوى الموجودة على المسرح السياسي اللبناني وقت الأزمات.
ب- غياب الشفافية عند السياسيين العلمانيين وعند رجال الدين في تقديم الأرقام الموّثقة أو الإعتراف بحجم المشاكل وأخطارها.
د – الوعود المؤجلة وإنتظار الحلول من الخارج .
"السياسة فن الممكن"
في لبنان يعتمد مبدأ سياسات المسؤولين التي تحركها مصالحهم أولاً وقبل كل شيء آخـر. إنّ الذي يجري اليوم من أوضاع سياسية– أمنية– إقتصادية- مالية– إجتماعية مزرية جعل مصير الدولة والشعب في مصير سوداوي وعلى كف عفريت، والسبب أنّ لدى الدولة سياسيين يحسبون أنّ السياسي بحاجة فقط إلى شطارة ممزوجة بالتهرُّب من المسؤولية وبراغماتية ومصالح ذاتية تتكيّف مع المصالح الخارجية، وأفعال غير أخلاقية كتسييس القضاء على سبيل المثال لا الحصر. ومن الخطورة بمكان ما يتواجد عندهم: عمل بلا خطة موضوعية، حركة بلا منهجية، قيادة بلا رسالة، وكل ذلك يحصل على حساب الشعب والمؤسسات الرسمية .
" السياسة فن الممكن لكن العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكناً" "(Otto Von Bismarck). إنقسام حاد في الرأي العام هو نتيجة حتمية للتضليل الممنهج والسبب الأساسي هو السياسي التاجر بما يُملى عليه من تدخلات خارجية بلا حساب، والسبب هو الغباء السياسي. والملاحظ هو سرقة ثروات الشعب اللبناني بلا حد والسبب هو نهم السياسي، فالمشكلة في لبنان هي الساسة الذين حوّلوا الوطن إلى شركات خاصة لهم والشعب إلى عبد، وجعلوا مستقبل اللبناني مظلماً والحاضر خطراً... الخطورة أنّ الرأي العام لا يقرأ تاريخه على ما هو وكما ينبغي، ولا يخطط لبناء حاضر كما يجب، ولا هو يستعد لمفاجآت المستقبل كما يفعل الحكماء من قادة الرأي .
" العظماء هم من يجعلـــون المستحيل ممكنا"، هذه المقولة تصبح واقعاً مع قادة رأي عام يتكوّنون من نخب تمتلك المعرفة والحكمة والقدرة على توجيه الرأي العام، وتكوين إتجاهاته والتأثير على سلوكياته الوطنية حيال القضايا المختلفة بفضل الصدقية والأخلاقية والخبرة التي يمتلكونها. "العظماء هم من يجعلون المستحيل ممكناً" وهم المدخل لقيادة رأي عام يحتاج إلى إهتمام عظيم ومهارات فائقة وتضحيات على مختلف الصعد ضماناً لنهضة الدولة والشعب .
نبض