أيُّ نصرٍ إذا كان الوطن هو الثمن؟

منبر 12-08-2026 | 11:09

أيُّ نصرٍ إذا كان الوطن هو الثمن؟

لا تبدأ الأوطان من قاعات المؤتمرات، ولا من منصات إطلاق الشعارات، بل تبدأ من تفصيل صغير ودقيق: سقف بيتٍ دافئ، وعائلة تجتمع حول مائدة، وأمل يمتد إلى صباح الغد.
أيُّ نصرٍ إذا كان الوطن هو الثمن؟
العلم اللبناني في وسط بيروت (حسام شبارو).
Smaller Bigger

حيدر الأمين

 

 

 

لا تبدأ الأوطان من قاعات المؤتمرات، ولا من منصات إطلاق الشعارات، بل تبدأ من تفصيل صغير ودقيق: سقف بيتٍ دافئ، وعائلة تجتمع حول مائدة، وأمل يمتد إلى صباح الغد. وحين تسقط هذه التفاصيل تحت ركام الحروب الممتدة، يتحول النضال من وسيلة لحماية الكيان إلى عبء يهدد بابتلاع الإنسان والوطن معاً، ليبقى السؤال المصيري معلّقاً فوق أشلاء المدن: كيف نحمي القضية من أن تستهلك الوطن؟ وكيف نحفظ الحق من دون أن نفقد الإنسان الذي يحمل هذا الحق؟
إن طرح هذا السؤال في زمن الاستقطاب الحاد ليس ترفاً فكرياً، ولا دعوة إلى الاستسلام أو التنازل عن الحقوق، بل هو ضرورة أخلاقية وسياسية تفرضها قسوة الواقع. فالقضايا العادلة لا تفقد عدالتها حين تُراجع وسائل الدفاع عنها، بل تزداد رسوخاً عندما تكون قادرة على حماية المجتمع الذي يحملها. أما حين تصبح البيوت المهدّمة، والنزوح المتكرّر، والانهيار الاقتصادي، والهجرة، جزءاً من المشهد اليومي، فإن مراجعة الخيارات تتحول من حق إلى واجب.
تكمن الأزمة عندما تتحول المواجهة، مهما كانت دوافعها الأولى، من وسيلة فرضتها ظروف استثنائية إلى استراتيجية مفتوحة لا تخضع للمراجعة، وكأن استمرارها أصبح غاية بحدّ ذاته؛ فلا توجد سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية تُعفى من التقييم والمساءلة، لأن قيمة أي سياسة لا تُقاس بما تعلنه من أهداف، بل بما تحققه من نتائج. وإذا كان هذا المعيار يُطبَّق على كل مؤسسات الدولة، فمن باب أولى أن يسري على القرارات التي تمسّ وجود المجتمع ومستقبله.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نقيس نجاح أيّ استراتيجية في إدارة الصراع؟ هل يكفي استمرارها كي تُعدّ ناجحة، أم أن معيار نجاحها الحقيقي هو قدرتها على حماية المجتمع، وتقليل كلفة الصراع، وتحقيق أهدافها السياسية؟ وإذا كانت جولات المواجهة المتكررة تنتهي في كل مرة بمدن مدّمرة، وقرى خالية، وعائلات نازحة، واقتصاد أكثر هشاشة، فمن حق المجتمع أن يسأل: ما الذي تغيّر حتى يُطلب منه أن يدفع الثمن مرة أخرى؟ وما الأساس الواقعي للاعتقاد بأن تكرار المسار نفسه سيقود إلى نتائج مختلفة؟
إن النصر في حسابات الأوطان لا يُقاس فقط بحجم الخسائر التي يتكبّدها الخصم، بل بقدرة المجتمع على البقاء، واستمرار مؤسسات الدولة، وحفظ كرامة الإنسان، وصناعة مستقبل للأجيال. فالأرض ليست مجرد جغرافيا للمواجهة، بل فضاء للحياة والتعليم والعمل والإنتاج. وكل مشروع وطني يفقد مجتمعه، أو يدفع أبناءه إلى الهجرة، أو يحول الحياة إلى انتظار دائم للجولة المقبلة، يحتاج إلى مراجعة شجاعة، لأن الوسيلة لا يجوز أن تبتلع الغاية التي وُجدت من أجلها.
من هنا، فإن أي قوة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، مهما كانت دوافعها أو حجم تضحياتها، تضع المجتمع أمام معادلة بالغة الخطورة. فالدولة ليست عائقاً أمام الدفاع عن الوطن، بل الإطار الذي يمنح القوة مشروعيتها، ويخضعها للمساءلة، ويوازن بين مقتضيات الأمن وحقوق الناس في حياة مستقرة. ولا تمنح عدالة القضية أيّ وسيلة حصانة من المراجعة والمساءلة.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب تستطيع تحمل التضحيات عندما ترى أفقاً سياسياً واضحاً، وتلمس نتائج تحمي حاضرها ومستقبلها. أما حين تتحول التضحيات إلى حالة دائمة، ويغدو الألم مشروعاً مفتوحاً بلا نهاية، فإن السؤال لا يعود عن استعداد الناس للتضحية، بل عن مسؤولية من يدير هذه التضحيات، وعن حق المجتمع في معرفة حدودها وأهدافها وجدواها.
وفي الجنوب، لا تبدو هذه الأسئلة نظرية أو قابلة للتأجيل. هناك عائلات دفعت من بيوتها وأرزاقها وأمنها ما يفوق قدرتها على الاحتمال، وخرجت من الحرب ببيوت مهدّمة، وممتلكات ضائعة، وأشهر أو سنوات من النزوح. وبعض من استأجروا مساكن موقتة بعدما فقدوا منازلهم يجدون أنفسهم اليوم أمام كلفة جديدة: إيجارات لا يستطيعون تحملها، وفواتير متراكمة، وأعباء معيشية تزداد، فيما يسمعون أن المال غير متوافر وأن عليهم أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم. فهل تكون نهاية التضحيات أن يُهجَّر الإنسان من بيته، ثم يجد نفسه مهدداً بالتشرّد مرة أخرى، ولكن هذه المرة داخل أرضه وبين أهله؟
أي معنى للانتصار إذا كان من فقد منزله في الحرب سيضطر إلى البحث عن مأوى جديد، ومن خسر مصدر رزقه سيُترك لمواجهة الغلاء وحده، ومن تحمّل سنوات النزوح سيجد أمامه بعد العودة كهرباء مكلفة، وأقساطاً تثقل كاهله، وخدمات متردية ونفايات تحاصره، فيما يبقى العلاج والاستشفاء عبئاً آخر على من أنهكته الحرب؟ وماذا عن الإنسان نفسه، عن خوفه الذي لم ينتهِ بانتهاء المعارك، وعن حالته النفسية التي أثقلتها الصدمات، وعن أسرٍ أنهكها النزوح والفقدان والضغوط، وعن علاقات اجتماعية أصابها التفكك تحت وطأة الفقر والتهجير والقلق؟ وهل يُعقل أن يُطلب من إنسان أن يتحمل كلفة الحرب باسم الوطن، ثم لا يجد الوطن حاضراً عندما يأتي وقت حماية حياته وكرامته وإعادة بناء ما تهدّم، واستعادة شعوره بالأمان والانتماء؟ هنا لا يعود السؤال عن المال وحده، بل عن الضمير، وعن المسؤولية، وعن معنى أن تكون التضحيات التي قُدّمت باسم المجتمع موضع تقدير فعلي، لا مجرد مادة للخطابات.
إذا كان الإنسان مستعداً لأن يدفع ثمن الدفاع عن وطنه، فمن المسؤول عن ألا يصبح هو نفسه ثمناً يُنسى بعد انتهاء المعركة؟
إن المراجعة ليست اعترافاً بالهزيمة، بل شرط من شروط الحكمة. فالاستراتيجية التي تثق بنفسها لا تخشى النقد، والمشروع الذي يؤمن بعدالة قضيته لا يخاف من إعادة تقييم أدواته. أما الإصرار على تكرار الخيارات نفسها، مهما كانت نتائجها، فلا يعبر بالضرورة عن الثبات، بل قد يعكس عجزاً عن التكيّف مع الوقائع والمتغيّرات.
إن حماية الوطن ليست نقيض الدفاع عنه، بل غايته الأولى. ولا توجد قضية عادلة تبرر أن يصبح المجتمع وقوداً دائماً للحرب، أو أن يتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة لا تعرف سوى انتظار الجولة التالية. فالانتصار الحقيقي ليس أن تستمر الحرب، بل أن يبقى الوطن قادراً على الحياة، والإنسان قادراً على العيش فيه بكرامة. وكل استراتيجية تعجز عن حماية المجتمع الذي وُجدت للدفاع عنه، تصبح بحاجة إلى مراجعة، لا إلى مزيد من التقديس. فالقضية العادلة لا تخشى النقد، والوطن لا ينبغي أن يكون ثمن أي نصر.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.