لبنان الكبير… أهو خطأٌ تاريخي؟
شرف أبو شرف، نقيب الأطباء سابقاً
مع إعلان الفاتيكان تطويب البطريرك إلياس الحويّك ووضعه على درب القداسة، يعود اللبنانيون إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ وطنهم الحديث. لم يكن الحويّك مجرد بطريرك ماروني، بل كان رجل دولةٍ قبل قيام الدولة، ورجل رؤيةٍ حمل قضية لبنان إلى العالم مؤمناً بأن لهذا الوطن رسالة تتجاوز حدوده الجغرافية، وأنه مساحة لقاء بين الحضارات والأديان، لا ساحة صراع بينها. ولكن لفهم مشروع الحويّك لا بد من العودة إلى ما سبقه.
فبعد مجازر عام 1860 التي مزّقت جبل لبنان وأدمت العلاقات بين أبنائه، تدخّلت الدول الكبرى، فنشأ نظام المتصرفية عام 1861، الذي منح الجبل حكماً ذاتياً محدوداً وأرسى سنوات من الاستقرار النسبي. غير أن هذا الكيان بقي ناقصاً، محصوراً في الجبل، محروما سهوله وسواحله ومرافئه، وعاجزاً عن تحقيق مقومات الحياة الاقتصادية. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، فحلّت المجاعة الكبرى التي حصدت مئات الآلاف من اللبنانيين، وتركت جرحاً عميقاً في الذاكرة الوطنية. عندها أدرك البطريرك الحويّك أن لبنان الصغير لن يستطيع الاستمرار، وأن قيام دولة قابلة للحياة يقتضي توسيع حدوده لتشمل بيروت والبقاع والشمال والجنوب، بحيث يصبح وطناً متكاملاً لا مجرد ملجأ لطائفة أو منطقة. لهذا قاد الوفد اللبناني إلى مؤتمر باريس عام 1919 ممثلاً مختلف الطوائف اللبنانية، ومطالباً بقيام لبنان الكبير. لم يكن مشروعه طائفياً، رغم اعتراض بعض المسيحيين الذين فضّلوا دولة أصغر ذات أكثرية مسيحية، ولا كان مشروعاً توسعياً، رغم رفض فئات من المسلمين الذين رأوا مستقبلهم في الوحدة مع سوريا. لقد أراد وطناً لجميع أبنائه، يستمد قوته من تنوعه، ويكون امتداداً لحلم الأمير فخر الدين الثاني والأمير بشير الشهابي بدولة منفتحة على الشرق والغرب معاً.
في الأول من أيلول عام 1920 وُلد لبنان الكبير، حاملاً في داخله ثراءً إنسانياً وثقافياً فريداً، لكنه حمل أيضاً بذور التحديات التي رافقته منذ البداية. فالنظام الطائفي الذي نشأ مع الدولة لم ينجح في بناء مواطنة تتقدم على الانتماءات المذهبية، وبقي لبنان يترجّح بين هويته الوطنية والولاءات الإقليمية. ومع استقلال عام 1943، بدا أن اللبنانيين وجدوا صيغة للتعايش، لكن سرعان ما بدأت العواصف تتوالى.
اجتاحت المنطقة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، ثم جاءت القضية الفلسطينية وما رافقها من انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان، لتدخل البلاد في صراعات تجاوزت حدودها. وبعدها فرض الوجود السوري وصايته الطويلة بضوء أخضر أميركي، قبل أن يتحول لبنان إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي بين مشاريع متعارضة. ومنذ ذلك الحين لم يهدأ الجدل حول الكيان اللبناني. فمرة يُطرح تقسيمه، ومرة فدرلته، ومرة علمنته، ومرة العودة إلى لبنان الأصغر، ومرة إلحاقه بمحاور الشرق أو الغرب. ومع كل أزمة كانت الأسئلة نفسها تعود: هل أخطأ المؤسسون؟ وهل كان لبنان الكبير وهماً تاريخياً؟
اليوم، فيما يشهد الجنوب اعتداءات إسرائيلية متكررة، ومقاومة شيعية إيرانية، وتتقاطع على أرضه مشاريع إقليمية تتجاوز إرادة اللبنانيين، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في حدود لبنان، بل في غياب الدولة القادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، وفي استمرار ارتهان جزء من القرار الوطني لصراعات الخارج. فلا قيام لوطن مستقر إلا بوحدة القرار اللبناني، وجيش واحد، وسلطة واحدة، ودستور واحد، مع لامركزية إدارية حديثة تعزز الإنماء وتكرّس المشاركة، وسياسة حياد تحمي لبنان من أن يبقى ساحةً لحروب الآخرين.
لقد بقي لبنان، رغم كل هذه العواصف، يحمل وجهاً آخر لا يقل أهمية عن تاريخه السياسي، وهو وجه القداسة. فهذا الوطن الذي يربط التقليد المسيحي بين أرضه وأولى عجائب السيد المسيح في عرس قانا الجليل، احتضن مدى قرون مدرسة روحية فريدة. ففي جباله عاش القديس مارون بروح الزهد والصلاة، وإلى وادي قاديشا لجأ الموارنة حفاظاً على حرية الإيمان، حيث ازدهرت الأديار وتحولت الصخور إلى منابر صلاة، والوديان إلى مخطوطات حية من التاريخ الروحي.
ومن هذه الأرض خرج البطاركة الكبار، وفي مقدمهم البطريرك إسطفان الدويهي، أبو التاريخ الماروني، الذي حفظ هوية الكنيسة والوطن في أحلك الظروف. ومنها أيضاً انطلقت مسيرة قديسين كبار كمار شربل، والقديس نعمة الله الحرديني، والقديسة رفقا، الذين جعلوا من لبنان مدرسة في القداسة، لا بالكلام، بل بالصلاة والتواضع والخدمة والتضحية. واليوم ينضم البطريرك إلياس الحويّك إلى هذه المسيرة المباركة، بعد حياة كرّسها لخدمة الإنسان والوطن، وباع فيها ممتلكاته لإغاثة الجائعين، وأسهم في تأسيس المدارس والجمعيات والمؤسسات التي صنعت نهضة لبنان الحديثة. وإذا كان هؤلاء القديسون قد بنوا لبنان بالصلاة والعمل، فإن المغتربين اللبنانيين يواصلون اليوم الرسالة نفسها في أصقاع الأرض. فقد حملوا معهم قيم الاجتهاد والعلم والانفتاح، وبنوا نجاحاتهم في مختلف القارات، ولم ينقطعوا يوماً عن دعم وطنهم، حتى بدوا كأنهم يقيمون للبنان في العالم قباباً من المعرفة والنجاح، لا تقل شأناً عن القباب التي تزين أديرته وكنائسه. لذلك، فإن لبنان ليس خطأً تاريخياً كما يدّعي البعض، بل هو تجربة تاريخية استثنائية دفعت ثمناً باهظاً لأنها اختارت الحرية في محيط مضطرب، والإيمان في زمن الاضطهاد، والعلم في مواجهة الجهل، والانفتاح في وجه الانغلاق.
الأوطان لا تقاس بعدد الحروب
لقد دفع هذا الوطن ضريبة موقعه، وضريبة رسالته، وضريبة تنوعه، ولا يزال يدفعها حتى اليوم. غير أن الأوطان لا تقاس بعدد الحروب التي مرت عليها، بل بقدرتها على النهوض بعد كل سقوط. ولبنان، الذي عبر القرون حافظ على هويته رغم الاحتلالات والمجاعات والانقسامات، لن تزول رسالته ما دام فيه من يؤمن بأن قوته ليست في ارتهانه لشرق أو لغرب، بل في وحدته الداخلية، وفي سيادته، وفي ثقافة الحرية التي صنعت شخصيته. إن الحكم اللبناني الحالي يقوم، مشكوراً، بخطوات جبارة، في الداخل والخارج، لوضع لبنان على خريطة طريق صحيحة وإنقاذه من الجحيم الذي يعيشه اللبنانيون. لكن خلاص لبنان لن يأتي من محور خارجي، ولا من وصاية جديدة، بل من العودة إلى ذاته: إلى الإيمان بالله، وإلى دولة واحدة عادلة، وإلى وحدة أبنائه، ورسالة الحرية والعلم التي جعلت منه عبر التاريخ أكثر من وطن… جعلت منه رسالةً للإنسان.
نبض