كرة القدم في ملعب القدر

منبر 20-07-2026 | 12:28

كرة القدم في ملعب القدر

في زاوية منسيّة من العالم، قد يمرّ عابر بملعبٍ خاوٍ فلا يرى سوى عشب وخطوط هندسيّة.
كرة القدم في ملعب القدر
كأس العالم.
Smaller Bigger

ريمي الحويّك

 

 

في زاوية منسيّة من العالم، قد يمرّ عابر بملعبٍ خاوٍ فلا يرى سوى عشب وخطوط هندسيّة. لكن في ميثاق عشّاق كرة القدم، ليست تلك الخطوط مجرّد حدود لمستطيل أخضر، بل هي خرائط للأحلام، ومسارح لدراما إنسانيّة تتجاوز في تعقيدها أعظم الملاحم. هناك، حيث تبدأ الطابةُ بالدوران، تبدأ معها نبضات الملايين بالتناغم.
فما سرُّ هذه الجلدة المنفوخة التي تُسيّر جيوشاً من البشر؟ أيكمن سحرها في فطرتها؟ فهي لا تستأذن لغة ولا تشترط ثقافة! هي لغة عالميّة، يكفي أن تلامس الأرض حتى تفكّك عقد الألسنة، وتوحّد إيقاع الجسد.
في عالمٍ مثقل بالتعقيدات، تعيدنا كرة القدم إلى بساطة الإنسان البدائي الذي يبحث عن الفرح في الحركة والهدف.
في حضرة كأس العالم، تسقط الأقنعة وتذوب الفوارق. أمام المرمى، لا وزن للأرصدة البنكيّة، ولا قيمة للألقاب الإجتماعيّة. الجميع سواسية أمام قانون المستطيل، والجميع تحت رحمة الصافرة.
إنها تجسيد حيّ لمفهوم العدالة، حيث لا يُنصفك إلّا جهدك، ولا يخذلُك إلّا خطؤك.
تلك الجلدة لا ترحم، هي تمنح النّشوة وتنتزعها في آن واحد. إنها ذاك الشر الجميل الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام عجزنا.
هي التي تُبكي الطفل حين يسقط بطله، وتجعل غصّة الحلق رفيقة المشجّع لسنواتٍ بعد ضياع ركلة جزاء.
نحن لا نحزن لأن فريقاً خسر، بل لأننا أسقطنا على تلك الطابة أحلامنا، وجعلنا من الفوز انتصاراً لهويّتنا، ومن الهزيمة انكساراً لروحنا.
في زمنٍ يغرق في الفرديّة المتوحّشة، تمنحنا كرة القدم اللحظة الجماعيّة النادرة. تلك الصرخة التي تنبعث من آلاف الحناجر الغريبة في لحظة هدف قاتل، ذاك العناق العفوي بين متغربين لا يربطهم سوى نبض واحد. هنا تكمن القوة الحقيقية، أن نكون "نحن" بدلاً من "أنا".
على المستوى الوطني والإجتماعي، تتحوّل البطولة إلى طقس مقدّس. في البيوت، يتشارك الأجداد والأحفاد حكايات الأساطير وذكريات الأمس، ليصبح المونديال رابطاً جيليّاً يربط حاضرنا بجذورنا. وعندما تستضيف دولة هذا الحدث، فإنها لا تفتح ملاعبها فحسب، بل تفتح قلبها. تتحوّل الشوارع إلى فسيفساء من الألوان والأهازيج، وتصبح البطولة ديبلوماسيّة شعبيّة تنجح في تقريب القلوب حين تفشل السياسة في تقريب الحدود. هي مساحة لنرى الآخر إنساناً يحلم، يضحك، ويخاف، تماماً كما نفعل.
رفع منتخب إسبانيا الكأس في النهاية، لكن الفوز الحقيقي لا يُوزن بالمعدن فقط بل يُقاس بما تركته البطولة في ذاكرتنا، ففي نهاية المطاف، حين يصمت الهتاف وتخبو أضواء الميادين، ندرك أن تلك الطابة لم تكن يوماً جماداً يُركل، بل كانت أيقونة لزمننا الموقت. إنها الدائرة التي تختزل ديمومة الصراع البشري وتوقه اللانهائي للخلود، فنحن في كل مباراة نعيد تمثيل أسطورة، ندفع الطابة نحو قمّة المرمى لنبلغ النشوة، ثم نعود لنبدأ من جديد دورةً أبديّة لا تنتهي.
إن كرة القدم هي محاولتنا اليائسة والجميلة في آنٍ واحد لترويض القدر، فنحن نُخطئ ونندم، ننتصر وننكسر، وفي كل تسعين دقيقة نستحضر عبثيّة الوجود ومجده، لنكتشف أنّنا لسنا سوى لاعبين على رقعةٍ أوسع بكثير من المستطيل الأخضر.
عندما تلامس الطابة العشب، هي لا ترسم خطوطاً على الأرض، بل تحفر في ذاكرة التاريخ ندوباً وقصصاً تثبت أننا مررنا من هنا. هي الحقيقة التي تذكرنا بأن الفراغ الذي يحيط بنا ليس خواءً، طالما أن هناك قلباً يخفق، وطالما أن هناك أملاً يتدحرج بانتظار الهدف.
هي ليست مجرد طابة، إنها ثقب في جدار العدم، نطلّ منه على العالم، لنرى أنفسنا في الآخرين، ونكتشف أننا في هذا الكون الفسيح، رغم شتاتنا، لم نكن يوماً وحدنا، فكلّنا، في هذه الدائرة الجلديّة، ندور حول مركزٍ واحد، الحاجة لأن نكون مرئيين، في زمنٍ لا يمنحنا إلا تسعين دقيقة من اليقين.
في نهاية هذا المهرجان الكروي، نحن لم نكن نلاحق طابة بقدر ما كنا نلاحق طفولتنا الضائعة، لم نكن نشجّع لنفوز، بل كنا نشجّع لكي لا ينسى أحد منا كيف يكون قلبه حيّاً وسط هذا العالم البارد، لأننا في تلك التسعين دقيقة، نرى العالم كما تمنيناه دائماً، مكاناً يتّسع للجميع، حيث الدمعةُ مقدّسة، والعناقُ حقيقي، ولا أحد يرحل وحيداً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات