بازار المضائق... من هرمز إلى باب المندب: هل تدخل التجارة العالمية أخطر مراحلها؟

منبر 20-07-2026 | 10:50

بازار المضائق... من هرمز إلى باب المندب: هل تدخل التجارة العالمية أخطر مراحلها؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبر من خلاله ناقلات النفط، بل تحول إلى إحدى أخطر أوراق الصراع الجيوسياسي في العالم.
بازار المضائق... من هرمز إلى باب المندب: هل تدخل التجارة العالمية أخطر مراحلها؟
مضائق تتحكم باقتصاد العالم (تصميم النهار)
Smaller Bigger

محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي

 

 

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبر من خلاله ناقلات النفط، بل تحول إلى إحدى أخطر أوراق الصراع الجيوسياسي في العالم. فمن يسيطر على هذا الشريان الحيوي يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والسلع التجارية. لذلك، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد العالمية.
منذ اندلاع المواجهة الأميركية– الإسرائيلية مع إيران، برز مضيق هرمز مجدداً ورقة ضغطٍ استراتيجية في الحسابات الإيرانية. غير أن اللافت في المرحلة الأخيرة أن الحديث عن المضيق لم يعد يقتصر على التهديدات العسكرية، بل دخل أيضاً في إطار ما يشبه "البازار" السياسي والاقتصادي. فبينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتزامه فرض رسومٍ بنسبة 20% على بعض السفن المرتبطة بإيران، جاء رد وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي لافتاً، عندما طرح فكرة أن تتولى إيران بنفسها حماية الملاحة في الخليج في مقابل تكلفةٍ أقل، وكأن العالم أمام مناقصة تجارية لا أمام أحد أخطر الملفات الأمنية في القرن الحادي والعشرين.
هذا المشهد يعكس حجم التحول في طبيعة الصراع، بحيث باتت الأدوات الاقتصادية لا تقل أهمية عن الوسائل العسكرية. فالرسائل المتبادلة لم تعد تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أصبحت تشمل أيضاً الرسوم التجارية، والتأمين البحري، وحرية الملاحة، وأسعار الطاقة، وهي عناصر تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد الدولي.
إلا أن القراءة الأعمق للمشهد الإيراني تكشف أن القرار داخل طهران ليس موحداً كما يبدو. فهناك تيارات متشددة، وعلى رأسها قيادات في الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية، ترى أن استمرار سياسة الضغط والردع هو السبيل الوحيد لفرض معادلات جديدة في المنطقة. وفي المقابل، تبرز أصوات سياسية تحذر من أن أي خطوة غير محسوبة، كاستهداف السفن أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، قد تتحول إلى مغامرة انتحارية تمنح الولايات المتحدة وحلفاءها الذريعة لتوسيع المواجهة العسكرية بصورة غير مسبوقة،على حد قول الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي والتيارات الإصلاحية في ايران.
ويزداد المشهد تعقيداً مع توسع دائرة المخاطر خارج مضيق هرمز نفسه. فهناك مخاوف من أن تمتد المواجهة إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في حال دُفع الحوثيون الى تصعيد عملياتهم ضد الملاحة الدولية. وعندها لن يكون العالم أمام أزمة نفطية فحسب، بل أمام تهديد مباشر لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، وما قد يرافق ذلك من ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، وانعكاسات تضخمية على معظم الاقتصادات.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه تقارير إعلامية عن رسائل إقليمية متبادلة تهدف إلى منع اتساع رقعة الحرب، إدراكاً من مختلف الأطراف أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة يصعب احتواؤها. فالجميع يدركون أن إشعال أكثر من جبهة في آن واحد سيجعل المنطقة أمام حرب إقليمية مفتوحة، تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتشمل دولاً ومحاور متعددة.

أما لبنان، فلن يكون بمنأى عن هذه التحولات. فأي قرار بتوسيع المواجهة عبر الجبهة اللبنانية سيعيد البلاد إلى دائرة الحرب، وسيقوض الجهود الديبلوماسية التي تبذلها الدولة اللبنانية لإعادة تثبيت الاستقرار في الجنوب، كما سيؤثر مباشرة على المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتبقية، وعلى المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت وقف النار وتطبيق القرار 1701.
إضافة إلى ذلك، فإن أي انفجار إقليمي واسع سيضعف فرص نجاح التحرك السياسي اللبناني حيال واشنطن، وخصوصاً زيارة الرئيس جوزف عون الى اميركا ولقائه الرئيس دونالد ترامب. ما يجعل الأولوية الدولية تنصرف إلى احتواء الحرب بدلاً من دعم الاستقرار اللبناني. كما أن الاقتصاد اللبناني، الذي يعاني أصلاً من أزمة غير مسبوقة، سيكون من أوائل المتضررين من أي ارتفاعٍ حاد في أسعار النفط أو اضطراب في حركة التجارة العالمية.
من هنا، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية فحسب، بل تحول إلى ساحة مواجهة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية. فكل تصريح يصدر من واشنطن أو طهران، وكل تحرك عسكري في الخليج أو البحر الأحمر، بات يحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة لتطاول الاقتصاد العالمي بأسره.
ويبقى السؤال الأهم: هل ما يجري مجرد تبادل للرسائل السياسية بهدف تحسين شروط التفاوض، أم أن المنطقة تقترب فعلاً من لحظة قد تتحول فيها المضائق البحرية إلى ساحات حربٍ مفتوحة؟
اضف الى ذلك التصعيد الايراني عبر قصف دول الجوار العربي، وما أبلغته باكستان لايران عن امتعاضها من هذه التصرفات غير المسؤولة، واعتبارها استهداف السعودية بمثابة ضربة للجهود التي يقوم بها الوسيط الباكستاني!  
الإجابة لا تزال رهن تطورات الأيام المقبلة، لكن المؤكد أن العالم يقف اليوم أمام معادلة جديدة، إذ إن القوة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ والطائرات فحسب، بل أيضاً بالقدرة على التحكم بشرايين التجارة والطاقة العالمية. وعندما تتحول المضائق البحرية إلى أوراق مساومة، يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال أزمة عالمية قد تكون أخطر بكثيرٍ من الحروب التقليدية.

  
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/19/2026 1:32:00 PM
تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت البلاد ستنجح في تجنب العتمة الشاملة.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...