لبنان بين وهم الاستقرار وسياسة الأمر الواقع
عمار الحيدري
إن محاولة فرض "أمر واقع" سياسي أو جغرافي أو أمني من رحم العدوان الصهيوني، والاعتماد على فائض القوة العسكرية لرسم المعادلات، لا يمكن أن يُشكل أرضية صلبة لاستقرار مستدام. فالتاريخ الحديث والقديم يثبت أن التسويات المفروضة تحت وطأة النار والدمار تخلق هدوءاً هشاً ومؤقتاً، وتتحول سريعاً إلى قنابل موقوتة.
هذا النهج الاستعلائي لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً:
على الصعيد الخارجي (الإقليمي) يغذي فرض الأمر الواقع دورة العنف، ويشرعن استمرار (المقاومة) كرد فعل طبيعي وحتمي على سلب الحقوق والاعتداء على السيادة. إن تجاهل الجذور الحقيقية للصراع لصالح حلول ترقيعية أمنية يبقي الجبهات مفتوحة ومشرعة على تصعيد أوسع في أي لحظة.
أما على الصعيد الداخلي فالإفرازات الكارثية للعدوان من نزوح قسري، ودمار ممنهج للبنى التحتية، ومحاولات لتغيير التوازنات السياسية والديموغرافية بالقوة تعمق الشرخ المجتمعي. هذه العوامل تزرع بذور التنافر بين المكونات الوطنية التي تجد نفسها تتنازع على الموارد المحدودة أو تختلف حول الرؤية الاستراتيجية لمواجهة هذا الواقع، ما يجعل الساحة الداخلية عرضة لانفجارات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة.
بالانتقال إلى المشهد الميداني والسياسي في جنوب لبنان، تبرز سلسلة من العقبات البنيوية والظرفية التي تعرقل مسار التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وتحول دون انسحاب قوات العدو المحتل، يسعى العدو الإسرائيلي إلى استثمار عدوانه لفرض "منطقة عازلة" وتعديل قواعد الإشتباك لصالحه. هذا المسعى يصطدم بخط أحمر لبناني يتمثل في رفض التنازل عن السيادة، ما يجعل الانسحاب الاسرائيلي الكامل والمجاني أمراً مستبعداً في الأجندة الصهيونية الحالية دون محاولة انتزاع مكاسب استراتيجية.
أزمة تنفيذ القرار 1701.
يوجد تباين جذري في تفسير وآليات تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 1701. ففي حين يطالب لبنان بتطبيقه كاملاً وبشكل متوازٍ بما يشمل وقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً تسعى إسرائيل لتوظيف القرار كأداة أحادية الجانب لتجريد المقاومة من سلاحها فقط، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري والأمني متى شاءت.
ترابط الساحات الإقليمية
إن التداخل العميق لجبهة جنوب لبنان مع مجريات العدوان المستمرعلى قطاع غزة، والتوترات الإقليمية الأوسع، يجعل من الصعوبة بمكان فصل المسار اللبناني وإبرام تسوية منفردة بمعزل عن وقف إطلاق النار في إيران والمشهد الإقليمي العام.
فغياب الضغط الدولي الجاد والملزم على الكيان الصهيوني، والانحياز الواضح من قبل الإدارة الأميركية وبعض القوى الغربية، يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في حرب الاستنزاف والمماطلة في أي استحقاق ديبلوماسي يفضي إلى الإنسحاب.
ناهيك عن الانقسامات السياسية الداخلية العميقة، والأزمة الاقتصادية الخانقة، تضعف الموقف الرسمي التفاوضي. هذا الترهل المؤسساتي يحد من قدرة الدولة اللبنانية على استثمار أوراق قوتها الميدانية والدبلوماسية لتشكيل جبهة موحدة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية وإلزام العدو بالانسحاب.
نبض