منبر
19-06-2026 | 10:37
المبتدأ والنشأة… متى تبدأ التربية الوطنية؟
لا تبدأ التربية الوطنية مع فتح أول كتاب مدرسي في الصف الثالث الابتدائي، بل تولد قبل ذلك بكثير.
كتاب التربية الوطنيّة والتنشئة المدنيّة
المحامي ربيع حنا طنوس
لا تبدأ التربية الوطنية مع فتح أول كتاب مدرسي في الصف الثالث الابتدائي، بل تولد قبل ذلك بكثير. تبدأ في تلك المساحة البيضاء من العمر، حيث لا كتب تفكّ طلاسم الحروف، ولا مناهج ترسم حدود الفكر. تبدأ بالتحديد في المهد، مع أول تهويدة أُمٍّ تغزل من اسم الوطن تميمة لحماية طفلها، ومع حكايات الأجداد التي تتدفق دفئاً في ليالي الشتاء، فتنحت في المخيّلة الغضّة ملامح الأرض، وشكل البيوت العتيقة، ورائحة قمم الجبال.
إنها تولد كجينات وجدانية قبل أن تتحوّل إلى نصوص قانونية، وتتلمس طريقها في وعي الطفل حين يرى والده يحترم إشارة المرور بعفوية، وحين تشارك والدته بغرس شجرةٍ في الحيّ، وحين يتعلم في فناء منزله الصغير أن يتقاسم رغيف الخبز واللعبة مع أترابه، من دون سؤال عن دين، أو طائفة، أو هوية فرعية.
وحين يخطو الطفل عتبة المدرسة في صفه الثالث، لا تأتي مادة التربية الوطنية لتخلق فيه هذا الشعور من العدم، بل تأتي كمربٍّ ومصقِل، لترفع هذا الانتماء الفطري من مرتبة العاطفة الساكنة إلى مرتبة السلوك المنظم. هناك، يتعلم أن العلم الذي يرفرف في باحة المدرسة هو سقف كرامته المشتركة، وأن الحفاظ على نظافة صفّه أولى رسائل الوفاء لمجتمعه. فالتربية الوطنية في مبتدئها ونشأتها هي أبجديةُ حبٍ، تُكتب بالسلوك اليومي، وتعاش بالتفاصيل الصغيرة، قبل أن تصبح معرفةً بهيكلية الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ومن هذه النواة الأولى، يتدرّج هذا الغرس وينمو عبر المراحل العمرية، ليتجاوز حدود الفروض المدرسية التقليدية والواجبات المكتوبة. فالنشأة الحقيقية تكتمل حين تتجلّى المادة في طقسٍ تفاعلي وممارسة حيّة، حيث يتدرّب الطلاب على قيم الحوار وقبول الاختلاف في نقاشاتهم، ويختبرون الديمقراطية في مجالسهم الطالبية، ويتشربون ثقافة العطاء والمسؤولية في حملات التضامن والعمل التطوعي. إنها رحلة وعي تنبثق من وجدان الطفولة وتكبر لتطال سلوك الفرد في مدرسته، وشارعه، ومحيطه.
إن الغاية الأسمى من التربية الوطنية هي أن ندرك أن المواطنة ليست مادةً نَحفظ نصوصها لننال شهادةً مدرسية ثم نطوي الدفاتر، بل هي بوصلة سلوكية تصاحبنا في الصف، الشارع، الوظيفة… ومربع الاقتراع، وتحمينا من الانجرار وراء العصبيات الضيّقة التي تنهش جسد الدولة ومؤسساتها.
فالأوطان لا تبنى بالشعارات الرنانة، بل بالالتزام بالقانون، وتكافؤ الفرص، وتغليب المصلحة العليا. وعلينا رعاية هذا الغرس في نفوس الأجيال، كي لا ينتهي بنا الأمر وبأيدينا شهاداتٌ في التربية الوطنية، بينما نسقطُ لحظةً تلوَ أخرى في امتحانِ الوطنِ اليومي.
لا تبدأ التربية الوطنية مع فتح أول كتاب مدرسي في الصف الثالث الابتدائي، بل تولد قبل ذلك بكثير. تبدأ في تلك المساحة البيضاء من العمر، حيث لا كتب تفكّ طلاسم الحروف، ولا مناهج ترسم حدود الفكر. تبدأ بالتحديد في المهد، مع أول تهويدة أُمٍّ تغزل من اسم الوطن تميمة لحماية طفلها، ومع حكايات الأجداد التي تتدفق دفئاً في ليالي الشتاء، فتنحت في المخيّلة الغضّة ملامح الأرض، وشكل البيوت العتيقة، ورائحة قمم الجبال.
إنها تولد كجينات وجدانية قبل أن تتحوّل إلى نصوص قانونية، وتتلمس طريقها في وعي الطفل حين يرى والده يحترم إشارة المرور بعفوية، وحين تشارك والدته بغرس شجرةٍ في الحيّ، وحين يتعلم في فناء منزله الصغير أن يتقاسم رغيف الخبز واللعبة مع أترابه، من دون سؤال عن دين، أو طائفة، أو هوية فرعية.
وحين يخطو الطفل عتبة المدرسة في صفه الثالث، لا تأتي مادة التربية الوطنية لتخلق فيه هذا الشعور من العدم، بل تأتي كمربٍّ ومصقِل، لترفع هذا الانتماء الفطري من مرتبة العاطفة الساكنة إلى مرتبة السلوك المنظم. هناك، يتعلم أن العلم الذي يرفرف في باحة المدرسة هو سقف كرامته المشتركة، وأن الحفاظ على نظافة صفّه أولى رسائل الوفاء لمجتمعه. فالتربية الوطنية في مبتدئها ونشأتها هي أبجديةُ حبٍ، تُكتب بالسلوك اليومي، وتعاش بالتفاصيل الصغيرة، قبل أن تصبح معرفةً بهيكلية الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ومن هذه النواة الأولى، يتدرّج هذا الغرس وينمو عبر المراحل العمرية، ليتجاوز حدود الفروض المدرسية التقليدية والواجبات المكتوبة. فالنشأة الحقيقية تكتمل حين تتجلّى المادة في طقسٍ تفاعلي وممارسة حيّة، حيث يتدرّب الطلاب على قيم الحوار وقبول الاختلاف في نقاشاتهم، ويختبرون الديمقراطية في مجالسهم الطالبية، ويتشربون ثقافة العطاء والمسؤولية في حملات التضامن والعمل التطوعي. إنها رحلة وعي تنبثق من وجدان الطفولة وتكبر لتطال سلوك الفرد في مدرسته، وشارعه، ومحيطه.
إن الغاية الأسمى من التربية الوطنية هي أن ندرك أن المواطنة ليست مادةً نَحفظ نصوصها لننال شهادةً مدرسية ثم نطوي الدفاتر، بل هي بوصلة سلوكية تصاحبنا في الصف، الشارع، الوظيفة… ومربع الاقتراع، وتحمينا من الانجرار وراء العصبيات الضيّقة التي تنهش جسد الدولة ومؤسساتها.
فالأوطان لا تبنى بالشعارات الرنانة، بل بالالتزام بالقانون، وتكافؤ الفرص، وتغليب المصلحة العليا. وعلينا رعاية هذا الغرس في نفوس الأجيال، كي لا ينتهي بنا الأمر وبأيدينا شهاداتٌ في التربية الوطنية، بينما نسقطُ لحظةً تلوَ أخرى في امتحانِ الوطنِ اليومي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا
6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان
6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان
6/18/2026 8:05:00 PM
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض