في مجتمع ننتحر ولا نموت
هناك موت آخر، أكثر هدوءًا وأشدّ قسوة. موت لا يلفت النظر، ولا تُقرَع له الأجراس، ولا يلبس السواد من أجله أحد. إنه الموت الذي يحدث يوم يقرّر الإنسان، للمرة الأولى، أن يخسر نفسه كي لا يخسر رضا الآخرين.
باسكال جروج
ليس كل موتٍ توقّفًا للقلب.
هناك موت آخر، أكثر هدوءًا وأشدّ قسوة. موت لا يلفت النظر، ولا تُقرَع له الأجراس، ولا يلبس السواد من أجله أحد. إنه الموت الذي يحدث يوم يقرّر الإنسان، للمرة الأولى، أن يخسر نفسه كي لا يخسر رضا الآخرين.
منذ تلك اللحظة، يستمر في الحياة. يدرس، يعمل، يتزوج، ينجب، يبتسم، يضحك أحيانًا. لكن شيئًا ما فيه يكون قد انطفأ. يعيش، نعم، ولكن ليس هو من يعيش، بل النسخة التي أرادها الآخرون له.
كم من الناس لم يخسروا حياتهم، بل خسروا أنفسهم؟
الخوف من خيبة الأهل، أو من أحكام المجتمع، أو من صورة رسمها الآخرون لنا، يدفعنا أحيانًا إلى اتخاذ أخطر القرارات. ليس لأننا نريدها، بل لأننا نخاف ما قد يرافق رفضها من غضب، أو عتاب، أو سوء فهم.
فنختار دراسة لا تشبهنا، وعملًا لا نحبه، وعلاقات لم نخترها، وأحيانًا عمرًا كاملًا لا يشبه أحلامنا.
والغريب أن الذين خفنا من زعلهم بضعة أشهر، لا يحملون معنا نتائج القرار ثلاثين سنة. هم يرضون. ينسون. ينشغلون بحياتهم.
أما نحن، فنستيقظ كل صباح إلى جانب القرار نفسه.
ربما لم يطلب منا أحد أن نموت.
لكن الجميع طلب شيئًا صغيرًا. تنازلًا صغيرًا. صبرًا صغيرًا. تضحية صغيرة. ونحن، خوفًا من أن نخيّب أحدًا، قدمنا أنفسنا كاملة.
والمفارقة أن المجتمع، الذي نخاف أحكامه، لا يتذكر كثيرًا. فهو سريع في إصدار الأحكام، وسريع أيضًا في الانتقال إلى قصة أخرى.
أما الإنسان، فلا يستطيع أن ينتقل من نفسه. في النهاية، الأهل يرحلون، والأصدقاء تتبدل وجوههم، والمجتمع ينسى، لكن الشخص الوحيد الذي سيبقى معنا حتى آخر العمر هو نحن.
فكيف يستطيع الإنسان أن يمضي حياته كلها برفقة شخص خانه؟
وربما لهذا السبب، ليست أكثر المآسي إيلامًا أن يخسر الإنسان حلمه، بل أن يقنع نفسه، مع مرور السنوات، بأنه لم يكن يريده أصلًا.
كم من أشخاص يرددون، لا اقتناعًا بل هربًا من الحقيقة:
«هذا نصيبي».
«هكذا أراد الله».
«كنت سأفعل الشيء نفسه».
ليس لأنهم مقتنعون، بل لأن الاعتراف بأنهم خسروا أنفسهم صار أكثر ألمًا من الاستمرار في الكذب عليها.
لسنا مدعوين إلى الأنانية، ولا إلى إعلان الحرب على الأهل أو المجتمع، فالإنسان لا يعيش وحده، ولا يُبنى خارج محيطه.
لكن بين أن نحزن فترة، وبين أن نحزن العمر كله، فرق كبير. فالزعل لا يدوم.
الأهل يسامحون. الناس تنسى والمجتمع يجد دائمًا قصة جديدة ليتحدث عنها.
أما الندم، فله قدرة غريبة على البقاء.
وربما أخطر أنواع الانتحار ليس ما يقتل الجسد، بل ما يقتل الإنسان الحقيقي في الداخل. أن تستيقظ كل يوم، وتلبس حياة ليست لك.
أن تضحك بوجه لا يشبهك. أن تعيش باسم شخص آخر.
أن تصل إلى آخر الطريق، وتكتشف أن الجميع كانوا راضين عنك ...
إلا أنت.
وكم من أشخاص لم يدمرهم المجتمع، بل دمرهم خوفهم من المجتمع.
ولعل أكثر ما يخيف في الأمر كله، أن الحزن الذي كنا نهرب منه لم يكن ليدوم طويلًا.
أما الحزن الذي اخترناه، فقد رافقنا العمر كله.
كي لا نزعل فترة... قررنا أن نحزن إلى الأبد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض