الإصلاح أولاً: فرصة لبنان لاستعادة الثقة بعد وقف إطلاق النار
د.علي حمود
مع تنامي التفاؤل بإمكان التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وعودة المهجّرين قسراً إلى قراهم ومدنهم، وبدء الحديث عن مؤتمرات دعم عربية وإسلامية وغربية لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، يبرز سؤال أساسي: ماذا بعد؟ وهل تكفي المساعدات الخارجية لإخراج لبنان من أزمته المركّبة، أم أن المدخل الحقيقي لأي نهوض اقتصادي يبدأ من الداخل عبر إصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية طال انتظارها؟
في الدول الطبيعية، تشكّل مرحلة ما بعد النزاعات فرصة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس أكثر متانة وشفافية. أمّا في لبنان، فإن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها أولاً، وثقة المجتمعين العربي والدولي بها ثانياً. وهذه الثقة لا تُشترى بالمؤتمرات ولا بالوعود السياسية، بل تُبنى من خلال إصلاحات حقيقية وملموسة.
لقد دفعت الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 ملايين اللبنانيين إلى دائرة الفقر، وأدّت إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وتآكل الودائع، وانهيار الخدمات الأساسية. واليوم، وبعد سنوات من الانكماش الاقتصادي والهجرة وتراجع الاستثمارات، بات واضحاً أن إعادة بناء الحجر لا يمكن أن تنجح من دون إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات.
ومن هنا، تبرز أولوية إصلاح القطاع المالي والمصرفي عبر معالجة أزمة الودائع بطريقة عادلة ومتوازنة، وإعادة هيكلة المصارف وفق معايير شفافة تحمي حقوق المودعين وتعيد إلى المصارف دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد. كما أن إصلاح المالية العامة لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة، من خلال ضبط العجز، وترشيد الإنفاق، وتطوير الإدارة الضريبية، ومكافحة التهرّب الضريبي والفساد.
أمّا على المستوى النقدي، فإن تحقيق الاستقرار المستدام لسعر الصرف يتطلّب سياسات اقتصادية متكاملة تعزّز الإنتاج والاستثمار وتحدّ من الاعتماد المفرط على الاستيراد. فالاستقرار النقدي لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على توليد العملات الأجنبية وخلق فرص العمل.
وبالتوازي مع ذلك، يجب إطلاق ورشة إصلاح إداري واسعة تشمل تحديث مؤسسات الدولة، وتبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز استقلالية القضاء وهيئات الرقابة. فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث، قبل أي شيء، عن بيئة قانونية مستقرة ومؤسسات فعّالة تضمن حقوقه وتحمي استثماراته.
كما ينبغي أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى فرصة لتحريك الاقتصاد الوطني، من خلال إعطاء الأولوية للشركات والعمالة اللبنانية، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات العربية والدولية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والسياحة.
إن الدعم العربي والإسلامي والغربي المتوقع للبنان يمثّل فرصة مهمة، لكنه لن يبقى متاحاً إلى ما لا نهاية. فالدول المانحة والمؤسسات الدولية تريد أن ترى إصلاحات حقيقية تضمن حسن إدارة الأموال وتمنع تكرار أخطاء الماضي.
واليوم يقف لبنان أمام لحظة مفصلية. فإذا نجح في استثمار مناخ التهدئة والانفتاح الدولي لإطلاق مسار إصلاحي جاد، يمكن أن تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى بداية تعافٍ اقتصادي واستعادة تدريجية للثقة. أمّا إذا ضاعت الفرصة مجدداً في زواريب السياسة الضيقة وحساباتها، فإن إعادة الإعمار قد تتحول إلى مجرد ترميم مؤقت فوق أزمة بنيوية عميقة.
إن مصلحة المواطن اللبناني، واستعادة الثقة بالدولة، وتأمين مستقبل الأجيال المقبلة، تقتضي أن تكون الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية أولوية وطنية تتقدم على سائر الأولويات. فالإعمار الحقيقي يبدأ بإصلاح الدولة، والثقة هي حجر الأساس لأي نهوض مستدام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض