طواحين الذرة: كيف تلاعبت إيران بأقفال النادي النووي المغلق وتأجّل الانفجار الكبير؟
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
بين فجر العصر النووي في صحراء نيو مكسيكو، حين تلا الأب الروحي للقنبلة الأميركية روبرت أوبنهايمر نصاً هندوسياً مقدساً يقول فيه بمرارة الدهشة: "الآن أصبحتُ أنا الموت ومدمّر العوالم"، وبين الطموحات النووية الإيرانية الممتدة عبر العقود، ثمة خيط رفيع من الدموع والرماد والواقعية السياسية الفجة التي تحكم هذا العالم الصاخب.
لم تكن واشنطن تدرك وهي تفجر قنبلتها الأولى "ترينيتي" وتلحقها بدمار هيروشيما وناغاساكي، أنها تفتتح زمناً سرياً محاطاً بالأسلاك الشائكة، سرعان ما اقتحم جدرانه العتيدة الاتحاد السوفيتي كاسراً الاحتكار في العام الف وتسعماية وتسعة وأربعين بتفجيره قنبلته الذرية الأولى وصولاً لـ "قنبلة القيصر" المرعبة بقوة خمسين ميغاطن عام واحد وستين، وتلته بريطانيا في عملية "الإعصار" عام ألف وتسعماية واثنين وخمسين قبالة سواحل أستراليا، ثم فرنسا في الصحراء الجزائرية عام ألف وتسعماية وستين، والصين في منطقة "لوب نور" عام ألف وتسعماية وأربعة وستين.
هكذا تشكل ما يُعرف بالنادي النووي الرسمي، والذي تمدد لاحقاً خارج الأطر القانونية المعترف بها ليشمل الهند بعد اختبارها الأول عام ألف وتسعماية وأربعة وسبعين، وتبعتها باكستان عام ألف وتسعماية وثمانية وتسعين كإجراء ردع مضاد، وصولاً إلى إسرائيل التي اختارت لنفسها عباءة "الغموض المتعمد" المربك مع امتلاكها ترسانة فعلية ضخمة.
كل هذا السباق المحموم كان يجري تحت عيون الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ولدت في تموز من العام ألف وتسعماية وسبعة وخمسين من رحم مبادرة الرئيس الأميركي أيزنهاور الشهيرة "الذرة من أجل السلام"، والتي تعززت لاحقاً بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام ألف وتسعماية وثمانية وستين، ومنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية عام ألف وتسعماية وستة وتسعين.
ولأن التاريخ لا يحمي المغفلين ولا يرحم الضعفاء، فقد صِيغت في المنطقة عقيدة عسكرية استباقية صارمة عُرفت بـ "عقيدة بيغن"، والتي تنص على منع أي طرف إقليمي معادٍ من كسر التوازن الذري، وهو ما جربه العراق مرغماً حين أحالت المقاتلات الإسرائيلية مفاعل "أوزيراك" (تموز) ركاماً في غضون دقائق خلال حزيران عام ألف وتسعماية وواحد وثمانين، ليخرج مناحيم بيغن مبرراً ضربته بقوله: "إن ساعة رملية كبيرة توشك أن تنفد فوق رؤوسنا".
وتكرر المشهد ذاته في صحراء دير الزور السورية عام ألفين وسبعة حين مسحت عملية "خارج الصندوق" منشأة "الكِبار" المشيدة سراً بالتعاون مع كوريا الشمالية، ليبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ببرودة المنتصر قائلاً: "شيء كان موجوداً.. لم يعد موجوداً الآن".
هذه الذاكرة الحربية المثقلة هي نفسها التي تقودنا إلى تفكيك الملف الإيراني المعقد، والذي بدأ كمفارقة تاريخية صارخة في خمسينيات القرن الماضي برعاية أمريكية وغربية كاملة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي تحت مظلة مشروع "الذرة من أجل السلام" نفسه، قبل أن تقلب ثورة عام ألف وتسعماية وتسعة وسبعين الطاولة وتُغير العقيدة السياسية للبرنامج بالكامل.
هذا الطموح الذي ظل ينمو في العتمة وراء الكواليس، انقشع عنه الستار فجأة عام ألفين واثنين عندما كشفت جماعة معارضة في باريس وجود منشأتي "نطنز" للتخصيب و"أراك" للماء الثقيل السريتين، ليبدأ العالم مساراً طويلاً وعنيفاً من التصعيد، تراوح بين حرب سيبرانية غامضة وفتاكة برزت ذروتها مع فيروس "ستوكسنت" عام ألفين وعشرة، واغتيال منظم ومتتالٍ لعلماء نوويين بارزين كان آخرهم محسن فخري زاده عام ألفين وعشرين، وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي عام ألفين وخمسة عشر وانسحاب واشنطن الصاخب منه لاحقاً.
ورغم كل هذا الغليان، ظل السؤال التحليلي الأبرز يتردد في أروقة مراكز القرار: لماذا انتظر العالم كل هذا الوقت ولم يشن حرباً حاسمة لتدمير البرنامج الإيراني كما فعل في الحالتين العراقية والسورية؟ الجواب يكمن في معطيات الجغرافيا العسكرية المتداخلة؛ فطهران استفادت بذكاء من أخطاء الآخرين، وبدلاً من تشييد منشأة واحدة مكشوفة فوق الأرض، وزعت منشآتها وحصنتها على عمق مئات الأمتار داخل جبال "فوردو" العصية على القصف التقليدي، فضلاً عن حسابات الردع الإقليمي الشامل التي تملكها إيران عبر شبكة حلفاء مسلحين وترسانة صاروخية قادرة على إشعال ممرات الطاقة العالمية في مضيق هرمز ومحاصرة إسرائيل من جبهات متعددة، مما جعل خيار الحرب الشاملة مغامرة غير مضمونة النتائج يبدو أنها قادرة على احراق اقتصاد العالم.
وتزداد هذه الصورة تعقيداً عند مقارنتها بلغز كوريا الشمالية التي نجحت حيث فشل العالم في ردعها، وذلك بفضل امتلاكها لجغرافيا "الرهائن الجيوسياسيين" حيث تقع العاصمة الكورية الجنوبية سيول تحت رحمة مدفعيتها التقليدية المباشرة، إضافة إلى المظلة الصينية التي جعلت الغرب يخشى صداماً برياً مباشراً مع بكين، يضاف إلى ذلك مناورة بيونغ يانغ الذكية بالانسحاب المفاجئ من معاهدة حظر الانتشار عام ألفين وثلاثة وطرد المفتشين لتفجر قنبلتها الأولى عام ألفين وستة قبل تبلور أي إجماع دولي لردعها.
إن القراءة النقدية الهادئة تفيد بأن القوى الكبرى أدركت مبكراً أن الذهاب إلى حرب تقليدية مفتوحة ومباشرة ضد جغرافيا معقدة كإيران قد يكون مكلفاً إلى الحد الذي يهدد الهيمنة الغربية نفسها، لذلك استُبدلت الحرب العسكرية المباشرة باستراتيجية "الإنهاك المنظم": حرب السيبرانية، واغتيال العقول، والحصار المالي المطبق الذي يهدف إلى تآكل عناصر القوة الإيرانية من الداخل قبل الخارج.
هذا التكتيك اعتمد بشكل أساسي على فرض جولات متتالية من العقوبات الاقتصادية الخانقة التي استهدفت شريان الحياة للنظام الإيراني وهو قطاع الطاقة والمحروقات، ومقاطعة الصادرات النفطية، وتجميد الأصول المصرفية الدولية وحظر التعاملات المالية عبر نظام سويفت العالمي، مما خلق بيئة ضغط تكنولوجي ومالي رهيبة عطلت الإمدادات وسلاسل التوريد الحيوية للمنشآت النووية.
هذا التباين الصارخ يعيدنا إلى التساؤل المالح والساخن: لماذا يُسمح للهند وباكستان وإسرائيل بامتلاك النووي وتُمنع إيران وتُحاصر بضراوة؟ المسألة هنا تخضع للواقعية القانونية والسياسية؛ فالأولى دول لم توقع أساساً على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وبالتالي لم تخرق أي التزام قانوني دولي، في حين أن إيران تربطها بالمعاهدة تواقيع وتصديقات رسمية، مما يجعل حركتها السرية خرقاً قانونياً فاضحاً بنظر المنظومة الدولية.
ومن زاوية الاستراتيجية والأيديولوجيا، يرى العالم أن القوى النووية الحالية تستخدم سلاحها كأداة للردع وحفظ الوضع الراهن، بينما يُنظر إلى النظام الثوري في طهران، بخطابه السياسي المناهض لوجود إسرائيل ونفوذه الإقليمي المتمدد، كقوة مراجعة تريد تغيير قواعد اللعبة الإقليمية بالكامل، مما يجعل القنبلة الإيرانية بنظر خصومها تهديداً وجودياً مباشراً ومحركاً لعدم استقرار مدمر، تزداد خطورته مع تسارع الخطوات التقنية في تخصيب اليورانيوم.
إن قراءة هذا المشهد التاريخي المعقد تقودنا إلى خلاصة حتمية ومستقبلية لا بد من مواجهتها؛ إن منع إيران من كسر القيد النووي والوصول إلى القنبلة ليس مجرد رغبة غربية أو إسرائيلية، بل هو ضرورة حتمية لحفظ ما تبقى من السلم الدولي، لأن حصولها على القنبلة سيفجر فوراً سباق تسلح نووي مرعب ومتعدد الأقطاب في أكثر أقاليم العالم اشتعالاً، حيث لن تقف عواصم كبرى مثل الرياض، وربما أنقرة والقاهرة، مكتوفة الأيدي، بل ستسعى لامتلاك برامجها الخاصة لضبط ميزان القوى.
إن الحرب الشاملة، وإن بدت متقطعة في حسابات الربح والخسارة اللحظية، تظل الخيار الأخير والوحيد الذي يملكه الخصوم لمنع إيران بشكل قطعي من امتلاك السلاح النووي إذا فشلت كل أدوات الحصار والدبلوماسية والمناورات التي يتبعها الرئيس الأميركي ترامب.
الفارق هنا أن هذه الحرب القادمة بعد التصعيد الأخير لن تشبه غارات العقود الماضية على مفاعلات وحيدة وفوق الأرض. والتوقع الأساسي هنا هو أن المنظومة الدولية تجد نفسها مجبرة على خوض هذا المخاض العسكري العسير، لأن البديل وهو "إيران نووية" يعني ببساطة إعلان الوفاة الرسمية لمعاهدة حظر الانتشار، والدخول الجماعي في عصر الفوضى الذرية الشاملة؛ حيث تصبح القنبلة هي الضمانة الوحيدة لبقاء الأنظمة، وحيث يغدو الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لسباق تسلح انتحاري لا رابح فيه، بل رماد يطمر الجميع تحت وطأة سوء التقدير الحتمي.
نبض