عن نهاية العام الرابع بعد الستين
نهاية أيام الوظيفة، ليست نهاية العمر، قد تكون الفرصة مُهيِّئة لتحقيق ما أغفلته تقلبات التسابق مع استحقاقات الحياة...
نهايةُ مطاف وانتقالٌ إلى الضفة الأخرى لنهر الحياة، بينما العمرُ يجري من دونِ توقف، لا يستمهل ولا ينتظر، ولا يستجيبُ طلبِ أحد، ولا يأبه لكبيرٍ، ولا ينظُر بفوقية لصغير.
ففي نهاية العام الرابع بعد الستين تتذكَّر الأيام ذاتها، وتستعرِضُ مآلاتها، وهي تكتشف بأنها على "مفترق طريق" كلٌ من المسارب يودي إلى مكان. ولكلٍ من الناس هموم تختلف عن هموم الآخر، وهناك يومٌ آخر سيطلُّ عليكَ لا محالة، يبحث عن فضاءٍ مُختلف يعجُّ بمنسوب الهموم وبتحديات الوقائع. إنها حياةٌ جديدة. حياةٌ كأنها على "كوكب الطيور" حيث تتنقَّل أينما ينتشر الهواء. أو كأنها دخولٌ في سباقٍ آخر مع زمنٍ آخر، تحاول معه أن تُدرِك ما لم تُدركه طوال سنوات مضت، لتلِج الى مساحاتٍ جديدة كنت تعتقد أنها موصدةٌ أمام قدميك؟
على كوكب الطيور، العدلُ ليس هو أساس المُلك، بل المُلك هو حقٌ متلاصقٌ بالحياة. والعصفورةُ، أو السنونوةُ، تذهب إلى الشمال في الصيف وإلى الجنوب في الشتاء من دون أن تأبه لأي معوقات أو حواجز. وحدهُ قانون الطبيعة المُنسجم مع قوة الكون العليا، يدفعها مع الريح إلى حيث تريد، أو إلى حيث يُناسبها أن تكون، وهي تملك كُل ما ترى وتحصد حيث زرع الله، لا تجري خلف صناديق التعاضد، ولا يهمها ماذا سيقرره مُحتسِب نهاية الخدمة، ولا تفهم بمُحددات قانون التقاعد، ولا بتوصيفة الإحالة على المعاش، فهي تعيشُ طالما أنها في حِراك، وطالما كانت بعيدة عن الثعالب الغدَّارة، وعن اعتلالاتِ العمر المُحتَّم، وعن طلقات الصياد القاتلة.
تفرض عليك مُقيدات الاجتماع السياسي، أو هيكلية الانتظام القانوني، معادلات تخدُشُ إنسانيتك أحياناً. هذا إذا كنت من المَحظيين أصحاب الحقوق الملحوظة، أو المشمولين بالرعاية المعروضة. أما المتروكون لقدرهم من المظلومين بوضعية سوء العدل، فقد أصابتهم معادلات التفرقة والتمييز بألفِ خدشة، وبينما أعطاهم الله الحق بالحياة، فقد حرمهم تنوُّع الهيكليات ونُظُم الأُمة من الحق بعيشها بكرامة كما الآخرين من أقرانهم، فعالم الطيور –كي لا نقول عالم الحيوان بمعناه الإيجابي– أعدل حيث للمخلوق الحق بالتحديقِ في كل ما يقع أمامه، والأكل من كل ما هو مُتوافر، والهروبُ من الويلاتِ متاحٌ، ولو كانت غريزة حماية السلامة الجسدية مُهمةٌ شاقة، وقد تكون كما هي الحال في عالمِ البشر او أصعب بقليل.
في الرابعة بعد الستين، يتضاعف الحنين، وقد يتضاعف الأنين، لكن الشغف لا يموت ولو تغيَّرت أهواؤه. والحُب لا ينكفئ الى عزلةِ عرزالهِِ القديم بل يبحث عن عشيقٍ محبوبٍ من القلب والروح معاً، والأهداف تبقى ما بقيت المرامي، ولو توسَّعت الشباك خلفها وعلى الجوانب. بينما الفرصةُ مُتاحةٌ لرسمِ معالم صورة جديدة عن شخصيةٍ طمستها الهموم والأهواء في وحول التحديات والعراك.
يا لها من مفارقةٍ غريبة تفصلُ بين سنواتٍ متآخية ولو كانت ليست شقيقة من الرحم ذاته. فأوراق الملف السميك الذي يحتضن مستندات الإحالة على التقاعُد؛ تُشعِرُك كأنك أمام استحداث شهادة ولادة جديدة، كي لا نقول شهادة وفاة. ولكن يومك الجديد بعد الرابعة والستين يٌشبه يوم أمس. قهوةُ صباحه هي هي، وشؤونه وشُجونه هي هي، والضجيج وصراخ الزمامير المُتفلِّته تُكرارٌ لما حصل في اليوم السابق. ويبدو أن غدر العدو وبربريته وأزيزُ طائراته المُقزِّز، فرضيات محتومة على أُمة مألومة، رمى مأجورٌ في بكرِ فيحائها بذرة غريبة ذات يومِ، ونبتت "جاتروفا" بشرية سامة صنعتها قرارات استعمارية من دون أسبابٍ موجِبة وبلا أي حق، قتلت الملايين من أبناء الأرض الطيبة في فلسطين وفي لبنان وفي سوريا وفي العراق والأردن ومصر وعلى امتداد المُحيط الواسع.
جذعُ شجرة الأرز الشامخة في مواجهة العواصف والمِحن، هو الذي يحمل أغصان الخيرِ والعطاء والجمال. تلكم هي قاعدة التكامُل والاستمرار. والحكمةُ في بعض الأبيات، هي التي تُظهِّر قيمةُ القصيدة. قد تتبدَّل الطموحات لكن الإرادة واحدة. ونهاية أيام الوظيفة، ليست نهاية العمر، قد تكون الفرصة مُهيِّئة لتحقيق ما أغفلته تقلبات التسابق مع استحقاقات الحياة.
نبض