بيروت لا ترحل
د. نواف القنطار
مدينة من سحر، يلفها الضباب... لا تأبه بإيقاع الوقت أو ضجيج الأسئلة... تنسج يومَها بهدوءٍ أبديِ المعنى ينزع عنك الشعور بأنك غادرتها على شراع الخوف مما أتى أو مما سيأتي...
بحرها يطل على ملح الذكريات وأحلامِ العائدين على أمواج الأمل... ينثر علامات التعجب والاستفهام على رصيف المرفأ، ويخلط الألوان والصور...
صياد لا يمل من انتظار سمكته الذهبية وهي تتحول إلى سراب.
امرأة تبتسم بغنج وتمضي في طريقها، فهي تدرك أن نظراتك إلى خصرها مجاز، وأن حلمك سيبقى في قفص المؤجل.
في مقهى على رصيف البحر، ترشف هي من فنجان قهوتها، وتشرب أنت من عينيها.
بيروت في الربيع: تتفجر رغبة الورد في اختزال شكل الهدايا.
بيروت في الصيف: انفجار جديد في المرفأ...
بيروت في كل الفصول: إله يبحث عن سبب للموت، فلا يجد سوى مئةِ سبب وسبب للحياة...
بيروت نافذة تطل على بحر بلا شواطئ، أو على سحاب يحملك نحو الحقيقة حين تهم بالرحيل.
هي الأغنية التي تبدأ كل صباح، ولا تنتهي عند المساء...
فيها يتسع الوقت لكل شيء إلا لكتابة آخر أبيات القصيدة...
وفيها يشكك الشاعر بموهبته عندما تستعيد الأشياء تلقائيتها أمام البحر، فيسأل نفسه: لماذا لا تنتهي القصيدة؟
لأن بيروت هي القصيدة التي تبحث عنها، فتجد أن المعنى يخونك حين تظن أنك شارفت على الوصول.
بيروت لا ترحل، وعليك أن تسبح في بحرها حتى تصل إلى بداية القصيدة، بداية تَكتبُ حروفَ اسمها من جديد على رمل الغياب.
نبض