لبنان لم يكن يوماً... صغيراً
عماد عطاللـه
لم يحلم البطريرك الياس الحويّك بجبلٍ خائفٍ يختبئ خلف طائفة، بل بوطنٍ يستحق الحياة بِساحله وعمقه وجنوبه وشماله وجباله، مدركاً أنّ الأوطان تعيش بالتكامل وتموت بخطوط التماس.
خطيئة الانعزاليين أنهم يريدون تصغير لبنان، مساحةً وأخلاقياً ووجدانياً. هم لا يدرون أن عبارة "لبنان الكبير" التي أطلقها المُحتَل هنري غورو توحي خطأً بوجود "لبنان الصغير" قبله، وفي ذلك توصيف عارٍ عن الدقة. "الصغير" تعبير استرجاعي فاشي ومضلل، ضد الحقيقة التاريخية. لبنان لم يكن صغيراً كي يكبر، بل كان ولايزال مساحةً تاريخية لم تَلِد ولم تُولَد ولم يكُن لها كُفُواً أحد. لم يخترعه سوى خالق هذا الوجود ولا يملكه سوى من زرع أرضه محبةً عبر الزمن.
لكلٍ طريقته في إخفاء الأخطاء. الطبيب يدفنها بالمسكنات، والمحامي بالإجراءات، أما الإنعزالي المأزوم فيحوّلها إلى عقيدة ويجاهر بها بلا خجل. هوايته المفضلة التعذيب النفسي للجمهور عبر تحويل قلق الحرب اليومية علينا إلى تأزيم وطني.
إذا امتزج بهار الطائفية بملح الانعزالية، وُلدت هستيريا نووية بلا طاقة لمؤازرة "حروب الآخرين الصهاينة على أرضنا". لكن تسقط الوصفة النووية في أول تمحيص فعلي للمستندات التاريخية، ومِن هوايتي القراءة بين أكاذيب التطرّف.
مأساةُ الفكر الانعزالي/الطائفي أنه يتعامل مع أحد الأقضية العثمانية العابرة والموقتة كأنه إمبراطورية ضائعة، اُسقِطت ظلماً من صفوف الرومان والبريطانيين في سجلّ القوى العظمى. يا إلهي! منظّرو اليوم عن العودة الى "لبنان الصغير" هو فعلياً تصغير العقل وتقصير النظر.
متصرّفيّة الجبل لم تكن كياناً متجانساً من هيكل ديني واحد (رغم أن الأديان واحدة في رهبة الله)، ولا دولة قابلة للحياة، ولم تكن أيضاً أسطورة "فينيقية" معلقة خارج التاريخ في مؤامرة كونيّة. كذلك الأمر بالنسبة الى المتصرفيات الجبلية والساحلية الأخرى ولَو اختلفت التسميات الإدارية. كانت متصرّفيّة الجبل، ببساطة، ترتيباً إدارياً عثمانياً مصطنعاً، هدفه جباية الضرائب لمصلحة الباب العالي.
ذلك الجبل لم يعش يوماً مكتفياً بذاته ولم يكن مركز الوسط مهما بالغ المتطرفون ومهما أمر (المفكر البارع، في رأيي) فؤاد افرام البستاني. وهنا تحديداً تبرز أهمية كتاب "نشأة لبنان الحديث" للكاتب مئير زامير. كان الجبل كغيره في الحيّز الجغرافي/التاريخي اللبناني، يتقاسم الأوكسيجين مع جواره... يتنفّس من الساحل، ويأكل من البقاع، ويتّكئ على إمدادات الجنوب نحو فلسطين وما بعدها، ويتشابك مع أصوله في الداخل السوري خلف البقاع اقتصادياً واجتماعياً ودينياً. ولم تصنع تاريخه جماعة واحدة، بل فسيفساء معقّدة من الدروز والشيعة والسنّة وطوائف مسيحية متعدّدة، نسجوا معاً تاريخ جبال لبنان كلّها، لا جبلاً واحداً متخيَّلاً، دون غيره، في أدبيّات الحنين الطائفي. رغم الصراعات الدموية أحياناً وفقدان التكافؤ المرحلي، ظلت تلك الجماعات متشابكة عبر التجارة والمصالح المتبادلة والجغرافيا، والهجرة. كان فؤاد افرام البستاني يعرف الوقائع تماماً التي كتب عنها كمال الصليبي (الذي هدم السرديات الطائفية التبسيطية عن نشأة لبنان) من حملات المماليك على جبيل وجبل كسروان مثلاً، لإخضاع التمرد الشيعي ثم تهجيرهم من الجبل، واعتناق بعضهم المارونية تقيّةً كما وثّق البستاني والصليبي وآخرون. لم يكن الجبل يوماً حكراً على الموارنة وحدهم دون الدروز والشيعة. وكان الرفض السلبي الأوّلي انعكاساً لمسارٍ معقّد من الصراع المحلي ثم التفاوض والتكيّف والقبول التدريجي بقيادة النخب المحلية، من بينها السيد عبد الحسين شرف الدين على سبيل المثال.
في مصطلح "لبنان الكبير" دلالة إدارية فرنسية مرتبطة بتوسيع حدود المتصرفيات وجمعها كارتوغرافياً لتكوين جدوى اقتصادية وسياسية، لا دليلاً على وجود "لبنان الصغير". لكنه لم يكن أيضاً مجرد وهم. كان لبنان قبل "الكبير" منظومة جبال، لا مجرد الحصر بـ"متصرفية جبل لبنان"، وفي تلك المفهومية نقلة مهمة. أولاً، لم يكن "الكبير" أمراً إستثنائياً، ولا عمليّة توسيعٍ لدولةٍ صغيرة مكتملة قائمة، بل كان تحويلاً لجغرافيا تاريخيّة مترابطة إلى جمهوريّة حديثة. إن عهد الأمير فخر الدين الثاني، الذي شمل الساحل اللبناني كاملاً حتى الجليل الأعلى وصفد في فلسطين وحتى أجزاء من سوريا، يحاكي البنية التاريخية من الجغرافيا الكنعانية الساحلية حتى لبنان الحديث. هو انتقال كتحوّل إيطاليا وألمانيا والعراق مثلاً... مناطق قديمة وهويات دينية متعددة وذاكرات سياسية متراكمة جرى صهرها داخل حدود الدولة الحديثة. الفرق يكمن بما صهره الإيطاليون والألمان لأنفسهم من معادن وطنية صلبة بعد الحداثة، وبما صهره زعماء لبنان من سبائك الذهب في مصالحهم الخاصة، وبالتآمر مع المصالح الأوروبية والأميركية.
ينهار خطاب "الجمهورية الجبلية المسيحية المتجانسة"، أو سيادة الإثنية الأزلية، أمام القراءة الصادقة للوقائع التاريخية. ليست تلك الأسطورة سوى إسقاطٍ طائفي/انعزالي متأخر ومتجدد، حائر ومتخبّط، على مجتمعٍ جبلي كان، على الدوام، تعددياً ومتشابكاً ومحلّ تنازع محلي وإقليمي ودولي.
التطرف رباعي الدفع. يحاول متطرفو لبنان التأسيس لأنفسهم جمهورية "الميم الرباعية": مهلوسون، مأزومون، متوهمون، ومزوّرو التاريخ. فلا ينتجون سوى نادي "إلهاء الرباعية" من هستيريا، هلع، هروب من الحقيقة، وهواية تزوير الوعي الجماعي في الإعلام. مسرحية مزعجة من البداية حتى نهايتها… حتى نهاية المتطرفين على يد العيش اللبناني الواحد، أو على يد المستوطن الصهيوني القاضم على أجَل الجميع.
تباً لزمنٍ لبنانه قفصاً وأسده سجين عصفوره، وعصفوره سجين فئران الطوائف يفرضون علينا تقسيماً، أي كسر الجرّة الواحدة. لبنان الأكثرية الصامتة أشرف من ضجيج الأقليّة الانعزالية. صراخ الطوائف يزرع القلق ويحصد الأشواك على أرض الوطن، بينما يواصل اللبنانيون العاديون حماية عيشهم المشترك بصمتٍ أثقل من كل الضجيج.
نبض