العلويّون في "لبنان الغد": هل يتبدّد الدّور الهامشيّ في غياب "العقل الاستراتيجيّ"؟
الشيخ. د. شادي عبده مرعي
بينما يجهد اللبنانيّون في رسم ملامح "الجمهوريّة الثّالثة" والبحث عن تسويات كبرى تعيد تموضع القِوى، يبرز تساؤلٌ جوهريٌّ حول حضور الطّائفة الإسلاميّة العلويّة في هذه المعادلة. فالمؤشرات الرّاهنة توحي بأنّ "الدّور الهامشيّ أساساً" لهذه الطائفة في لبنان اليوم، سيكونُ مفقوداً في لبنان الغد... ولن يكون التّغييبُ نتاج إقصاءٍ خارجيٍّ فحسب، بل هو ثمرة "تغييبٍ ذاتيٍّ" ناتجٍ عن فقرٍ مُدقعٍ في الكفاءات السّياسيّة، وغيابٍ تامٍّ للتّخطيط الاستراتيجيّ الّذي يُخرجُها من عباءة "ردّةِ الفِعل" إلى رحاب "الفِعل الوطنيّ".
أزمة القيادة: مراوحةٌ في "المكان القديم"
تعاني الطّائفة العلويّة اليوم من فجوةٍ قياديّة هائلةٍ؛ فالتّمثيل السّياسيّ والرّوحيّ بقيَ ما يناهزَ ثلاثة عقودٍ رَهيناً لخطابٍ خَشبيٍّ لا يُحاكي تعقيداتِ المرحلةِ. لقد فشلتِ المؤسّسات القائمةُ، وعلى رأسِها المجلس الإسلاميّ العلويّ، في التّحوّل إلى حاضنةٍ وطنيّةٍ تستقطب النُّخَبَ، وَبَقِيَتْ غارقةً في صراعاتٍ ضيِّقَةٍ، أَو ارْتِهانات لِظُروفٍ وشخصيّاتٍ وَلَّى زَمَنُها. هذا الفَراغُ أدّى إلى قطيعةٍ بين "الطّبقة المسؤولةِ" وبين جيلٍ صاعدٍ يمتلكُ الحُلمَ وَالعِلْمَ وَالكَفَاءَةَ، لكنّه يفتقدُ المنَصَّةَ الَّتي تتيحُ له التَّأثيرَ في القرار الوطنيّ، بعد أنْ تمَّ تقزيم دور مرجعيّتهم في خدمة بضعةِ أشخاصٍ، لا يتجاوزن أصابع الكفِّ الواحدة، فتغلغل اليأسُ المريرُ إلى عقولٍ حالمةٍ، وانكفأَ المصلحون أمام نرجسيّة الموجودين.
تشتُّت النُّخبِ: ضياعُ "الرّأسمال البشريّ"
تكمنُ المفارقةُ الكبرى في أنّ الطّائفة تمتلك طاقاتٍ فكريّة واقتصاديّة هائلة مشتّتة بين الاغتراب والدّاخل، لكنّها تعيش حالة "انفصامٍ" عن واقعها السّياسيّ. لا يوجدُ اليومَ خيطٌ يربِطُ بين كفاءاتِ الطّائفةِ في الخارج وبين وجعها في طرابلس وعكار. هذا "الاغتراب المزدوج" أفقدَ الطّائفة "اللوبي" القادر على المناورة، وجعلها تفتقر إلى "خزاناتِ تفكيرٍ"مراكز الأبحاث والدراسات(Think Tanks) ترسم لها خارطة طريق تتجاوز زواريب "الجبل" إلى فضاء الوطن الرحب.
لبنان الغدّ: لغة المصالح لا الشعارات
في لبنان القادم، حيث ستُبنى التّحالفات على ملفاتِ (اللامركزيّة الإداريّة، الاقتصاد الرّقمي، وإعادة هيكلة الدّولة،..، وربما صياغة دستور جديد)؛ سيجد العلويّون أنفسهم "خارج التّغطية" لسبب بديهي جداً: لا يمتلكونَ مشروعاً واضحاً، والاكتفاء بانتظار التّسويات الإقليميّة، الّذي يُعدُّ انتحاراً سياسيّاً؛ فالدّور لا يُمنحُ، بل يُنتزعُ بالبرامج والمبادراتِ؛ وهذا يعني ببساطةٍ غياب التّخطيط الاستراتيجيّ، الأمر الذي سيجعل الآخرين يقرِّرون نيابةً عنهم، وسيكون حضورُهم مجرّد "تكملةِ عددٍ" في أيّة تسويةٍ وطنيّةٍ.
خارطة الطّريق: مِنْ أين نبدأ؟
إن استعادة الدّور تتطلّب "ثورة بيضاء" في الآداء، تبدأ عبر خطوات عمليّة:
1- عصرنة المؤسسات: تحويل الهياكل الحالية إلى مؤسسات تدار بعقلية "الحوكمة الرشيدة" لا المحاصصة الاقطاعيّة البغيضة، وتنحية أولئك المروجين لمبدأ فرعوني (الرّابح يربح كلّ شيءٍ) تبريراً مشوّهاً لانتخاباتٍ ربحوها تحت وطأة نظام أمنيٍّ مخابراتيّ، لم يعتبروا من سقوطه حتى هذه اللحظة.
2- مجلس استشاري عابر للحدود: يضم نخب الاغتراب والداخل لوضع رؤية "علوية-لبنانية" للملفات الكبرى.
3- تمكين الشباب: وطي صفحة الحرس القديم (جملةً وتفصيلاً) ليس من باب الانتقامِ، وإنَّما إعطاء كل المساحة اللازمة لجيلٍ يتحدّث لغةَ العصرِ والاقتصاد.
4- المواطنة الاستراتيجية: بناء تحالفات وطنية عابرة للطوائف تقوم على الكفاءة والإنماء، بعد تحديد هوية سياسيّة مستقبليّة لها، أحمل رؤية شخصية عنها، وهي: إنّ الطّائفة الإسلاميّة العلويّة في لبنان، هي طائفة لبنانيّة حياديّة مستقلة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
وختاماً:
إن "الدور المفقود" ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة طبيعية لإدارة الظهر للمستقبل.
وإذا لم يبادر العقلاء والكفاءات من أبناء الطّائفة إلى انتزاع زمام المبادرة وبناء "عقل استراتيجيّ" يدرك لغة لبنان الجديد، فإنّ الطّائفة ستجدُ نفسها غريبة في وطنٍ هي مِنْ أصيل مكوِّناتِه: الوقت يضيقُ بسرعةٍ، والفُرصُ في لبنانَ لا تنتظرُ التّائِهي... والخوف كل الخوف أنّ نكونَ من الجماعاتِ الّتي تنتحرُ بيدِها... ربّ سلم.
نبض