أيّار لبنان ما بين الأرض والسماء

منبر 05-05-2026 | 10:19

أيّار لبنان ما بين الأرض والسماء

المجد، في جوهره الفلسفي العميق، ليس حادثةً عابرة، ولا انتصاراً ظرفيّاً يُرفع فوقه علم الغالب، بل هو تراكم أخلاقي، وامتداد زمني، واعتراف جماعي يتجاوز "لحظة" الفعل إلى "معناه". هو ما يتبقى بعد أن يهدأ الغبار، لا ما يعلو حين يشتدّ الضجيج.
أيّار لبنان ما بين الأرض والسماء
ارشيفية
Smaller Bigger

ريمي الحويّك

 

 

المجد، في جوهره الفلسفي العميق، ليس حادثةً عابرة، ولا انتصاراً ظرفيّاً يُرفع فوقه علم الغالب، بل هو تراكم أخلاقي، وامتداد زمني، واعتراف جماعي يتجاوز "لحظة" الفعل إلى "معناه". هو ما يتبقى بعد أن يهدأ الغبار، لا ما يعلو حين يشتدّ الضجيج.
لكن، ماذا يحدث حين تُنتزع الكلمة من سياقها لتصبح "يوماً مجيداً"، لا لأنه جمع الناس، بل لأنه فرّقهم؟ حين يُعلن "المجد" من فوهة بندقية سُلّطت نحو الداخل؟ هل المجد هو السيطرة على الشوارع والأجساد؟
في المنطق السياسي الضيّق، قد يبدو فرض الإرادة بالقوة "نصراً"، لكنه في ميزان الوجدان الوطني ليس سوى جرحٍ غائر في ذاكرة المدينة.
بين ضجيج السّلاح وهدأة الصلاة، يمتدّ السّابع والثامن من أيار كخيطٍ رفيعٍ مشدودٍ فوق هاوية التّناقض اللبناني، حيث يتصادم التاريخ السياسي المُثقل بالجروح مع التاريخ الروحي المحلّق في السكينة.
في السابع من أيار، بكت بيروت صمتها حين غدت لغة الرصاص بديلاً من الحوار، فكان "مجداً مزيّفا " يسكن اللحظة ولا يطاول الخلود، إنّه سطوة المادة على المعنى، واحتلال الحيّز الجغرافي على حساب الحيّز الإنساني.
وعلى مسافة يوم واحد، يطلّ "مجد" من نوعٍ آخر، ذكرى ميلاد شربل مخلوف، طبيب السّماء وقدّيس لبنان. هنا، لا سلاح إلا الصّمت، ولا احتلال إلا للقلوب، ولا عنف إلا في ترويض النفس. شربل الذي لم يمتلك فصيلاً ولم يغلق طريقاً، فتح بزهده طريقاً نحو المطلق، مكرساً فلسفةً مفادها أن القوّة الحقيقية تكمن في الترفّع عن الصّغائر والإتحاد بالخالق. هو المجد الذي لا يحتاج الى بيانات عسكرية، بل الى شموع تُضاء في العتمة وصلوات تهمس بها القلوب من كل الطوائف.
لإصابة كبد الحقيقة، يجب التمييز بين النّصر والمجد، فالفرق جذري، النّصر لحظة قد تتحقّق بالقوة وتُفرض فرضاً باحترام الجغرافيا، أما المجد فمسار لا يولد إلا من شرعيةٍ أخلاقية واعترافٍ طوعي.
المدن التي تُحتل بالسّلاح قد تتحرّر يوماً أو تبقى أسيرة الحقد، أما الأرواح التي تُحتلّ بالقداسة فتبقى منارةً عابرة للزمن.
في السابع من أيّار كانت اللّغة رصاصاً والقلب أسود، وما ولد من خوف وانقسام لا يمكن أن يكون مجداً، بل هو إنكار للحقيقة، فاليوم الأسود لا يصبح مجيداً مهما تبدّلت المفردات.
بين انكسارِ مدينةٍ وانبثاقِ نور، وبين تاريخٍ كُتِب بالحديد وتاريخٍ عُمّد بالزيت، تقف الذاكرة اللبنانية مثقلةً بالشجن.
الوجع الإنساني في السابع من أيار لم يكن خسارة سياسية فحسب، بل كان اللحظة التي تيتّم فيها الحلم بدولة تحمي الجميع، حين غابت ملامح "الأخ" خلف قناع القوة.
لكن الثامن من أيار يأتي ليمسح عن جبين لبنان المتعب. شربل، "الوجدان اللبناني" بأنقى صوره، يُذكّرنا بأن العظمة الحقيقية تكمن في "الخدمة" لا في "القوّة". ففي الوقت الذي كانت فيه لغة السلاح تفرّق علناً، كانت رائحة بخور عنايا تجمع بصمت، لتؤكد أن المجد الحقيقي ليس في سحق الشريك، بل في التفاني لأجله.
إن الدرس الوجداني من تلاحق هذين التاريخين هو أن المجد الذي يُبنى على أنقاض الكرامة هو مجد من رمال، أما المجد النّابع من الصومعة فهو الصخرة التي يستند إليها الوطن كي لا يسقط في فخ الكراهية.
في النهاية، تبقى القداسة هي الاحتلال الوحيد الذي نرتضيه، لأنها لا تقتحم بيوتنا، بل تفتح قلوبنا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/5/2026 9:43:00 AM
تشهد أسعار البنزين في لبنان ارتفاعاً مستمراً، مما يثير القلق حول تأثير ذلك على تكاليف المعيشة.
لبنان 5/5/2026 11:28:00 AM
تسري هذه التعديلات اعتباراً من1\5\2026 في خطوةٍ تندرج ضمن خطة أوسع لتحديث نظام الضمان وتعزيز دوره الاجتماعي
لبنان 5/5/2026 6:00:00 PM
هل يكون الحكم الذي قد يصدر الأربعاء نهاية لملف طال انتظاره، أم بداية لمرحلة جديدة من الجدل؟ ماذا يقول الوكيل القانوني للفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير محمد صبلوح لـ”النهار” قبل أقل من 24 ساعة من هذا الحكم؟
فن ومشاهير 5/2/2026 1:51:00 PM
تعكس الصورة جمال الطبيعة وبهجة المناسبة، ما يضيف لمسة خاصة للاحتفال، وتعتبر هذه اللحظات فرصة للتواصل مع الجمهور وإظهار جانب من حياة الأميرة.