تسوية إسحاق رابين للمنطقة عائدة
عماد جودية
لم يلتقط معظم العاملين في الشأنين السياسي والإعلامي معلومة واحدة عن زيارة نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض مطلع العام الحالي، أي قبل تجدد الحرب الأميركية - الإسرائيلية الثانية على ايران في 28 شباط، بعد حربهما الأولى عليها في 23 آذار/مارس من العام 2025 التي سميت آنذاك بحرب الـ12 يوماً، حيث أبلغه الرئيس دونالد ترامب ضرورة التقيد بثلاث مسلمات 1- إكمال تنفيذ اتفاق غزة 2- الانفتاح على بحث موضوع حل الدولتين 3- عدم المساس بأمن الخليج لأنه خط أحمر أميركي، طالباً منه عدم تكرار عملية القصف الجوي التي استهدفت قيادات سياسية من حركة حماس في الدوحة في التاسع من أيلول الماضي.
أوردت هذه المقدمة، لأقول إن الاعتداد بالنفس عند نتنياهو لم يعد له حدود لدرجة أنه بات يعتقد نفسه انه هو البطل الموعود المنتظر قدومه لخلاص البشرية الذي تحدثت عنه التوراة في سفر التكوين. وإنه أصبح أهم وأقوى وأكبر من كل القادة الذين عرفهم التاريخ القديم والحديث من هنيبعل إلى الإسكندر المقدوني ونابوليون ورومل وايزنهاور وديغول، وعنجهيته وصلت به لدرجة بات يظن أن ما حققه جيشه بقيادته كرئيس حكومة في غزة ولبنان وسوريا وإيران هو انتصار عسكري إلهي كبير، وكأن تدمير المنازل على رؤوس سكانها الآمنين والمستشفيات على أطقمها ومرضاها والمدارس والجامعات على تلامذتها وطلابها وقصف مراكز الإغاثة وسيارات الدفاع المدني والصليب الأحمر وقتل القادة والمقاومين ونهب وسرقة محتويات المنازل والمؤسسات هو انتصار عسكري إلهي، ناسياً أنه لا يقاتل جيوشا بل مواطنين عزلاً هم أطفال ونساء ورجال ومسنون.
اسرئيل منذ قيام كيانها الغاصب عام 1948 مروراً بحرب 1967 واجتياح لبنان واحتلال بيروت عام 1982 وصولاً إلى عناقيد الغضب عام 1996 وانتهاء بحربي غزة ولبنان وهي تمني النفس بإحراز "نصر سياسي" واحد لها على لبنان وسوريا ومصر والدول العربية ولم تحصل عليه، من اتفاقية كامب دافيد مع الرئيس أنور السادات إلى اتفاقية وادي عربة مع العاهل الأردني وبينهما مع لبنان بإتفاقية 17 أيار عام 1983 حتى اتفاقية أوسلو مع عرفات.
وكانت النتيجة عدم تحقيقها أي انتصار سياسي واحد رغم كل انتصاراتها العسكرية المشار إليها آنفاً. واليوم يسعى نتنياهو إلى الأمر نفسه، محاولاً فرض الاستسلام على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين ومن خلفهم الدول العربية باتفاقات إذعان لا اتفاقات سلام تحت عنوان تغيير وجه المنطقة ورسم معالم الشرق الأوسط الجديد وإقامة إسرائيل الكبرى رغم علمه بحقيقة الموقف الأميركي من مستقبل التسوية بالمنطقة.
لكنه لا ولن يحقق أيا من أحلامه تلك، فالعرب جميعهم دون استثناء رغم بعض المصالحات التي جرت سابقاً لن يذهبوا إلى السلام الشامل مع إسرائيل قبل حل قضية المنطقة المركزية وفق المبادرة السعودية "الأرض مقابل السلام". ولا مفر من قبول إسرائيل بالحل الشامل سواء مع نتنياهو أو مع غيره مهما بلغت من جبروت القوة العسكرية وطال الزمن.
ومشروع التسوية الشاملة لنهاية الصراع العربي- الاسرائيلي الذي كان يعتزم رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحاق رابين عام 1995 توقيعه يومذاك مع الرئيس السوري حافظ الأسد بدعم من اللوبي اليهودي الأميركي واغتالته الجهات الصهيونية المتطرفة والذي يقوم على حل الدولتين والانسحاب من الجولان السوري والجنوب اللبناني، ستعود واشنطن لفرض تطبيقه في المنطقة عاجلاً أم آجلاً مهما تأجل تنفيذه.
لا سيما وأن الإدارة الأميركية ومن خلفها قادة اللوبي اليهودي العالمي ومعهم كل قادة العالمين الغربي والشرقي يعلمون بأنه لولا الدعم العسكري والسياسي والمالي والإعلامي الأميركي المباشر والكبير لإسرائيل لكانت هزمت شر هزيمة خلال حرب تشرين عام 1973 من قبل الجيشين المصري والسوري، أو خلال ثورة أطفال الحجارة في القدس الشرقية والضفة الغربية التي انطلقت عام 1986 أو من قبل حزب الله ومقاومته اليوم.
ولهذا لن تنفع معها محاولات تقسيم سوريا او تفتيت العراق أو تحييد مصر أو إضعاف لبنان. بالنهاية ستذهب إلى إسقاط نظامها العنصري بإرادتها وإلى إقامة الدولة الفلسطينية والانسحاب الكامل من الجولان والجنوب معاً بإرادة أميركية - روسية ودولية.
وجاءت مواقف مايك هاكابي الصهيوني المتشدد سفير أميركا لدى اسرائيل في أعقاب عملية طوفان الاقصى قبل ثلاث سنوات لتزيد من عنجهية نتنياهو ومن أحلامه التوراتية، عندما دعا إلى ضرورة القضاء على القادة الإيرانيين وإسقاط نظامهم المتشدد وقتل قادة حماس وحزب الله، كضرورة لسيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط لأجل إقامة إسرائيل الكبرى، وكل هؤلاء كانوا حاحزاً أمام توسع الكيان الغاصب وإقامة إسرائيل الكبرى. علما بأنه لو تم تجميع كل الشتات اليهودي في العالم والذي لا يتجاوز تعدادهم الـ16 مليوناً والإتيان بهم من أماكن تواجدهم إلى إسرائيل لن يستطيعوا لا السيطرة على منطقة الشرق الأوسط ولا إقامة اسرائيل الكبرى.
وأهم رد على مواقف هاكابي المتطرفة جاء من المملكة العربية السعودية آنذاك على لسان وزارة خارجيتها التي أدانت في بيان لها تصريحاته التي تشير إلى إمكانية سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط، واصفة إياها بأنها انتهاك للقانون الدولي وللأعراف الدبلوماسية، محذرة في آن معاً من أن هذا الخطاب المتطرف يهدد الاستقرار الإقليمي. مجددة دعمها لحل الدولتين القائم على حدود العام 1967، مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.
والرياض بقيادة مليكها سلمان وولي عهدها الأمير الشاب الواعد ما كانت لتصدر بيانها الهام هذا عبر وزارة خارجيتها إلا لأنها تعرف تماماً أن المنطقة قصُر الأمر أم طال، ذاهبة إلى التسوية الكبرى القائمة على الأرض مقابل السلام أي دولة فلسطينية والانسحاب من الجولان السوري والجنوب اللبناني كشرط لإنهاء الصراع في المنطقة وإقرار السلام العادل والشامل فيها.
ولهذا كانت الرياض منسجمة مع مواقفها الوطنية والقومية والعربية والإسلامية الصافية الرافضة لأي تغيير في خريطة الشرق الأوسط أو إقامة إسرائيل الكبرى، وهذا موقف نهائي لا رجوع عنه وسيكون له الأثر الإيجابي والفعال في تصحيح بوصلة المنطقة وإنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي وفق المبادرة السعودية التي أقرتها قمة بيروت العربية عام 2001 والتي تحفظ الحق العربي وتصون القضية الفلسطينية. لا سيما وأنه كان لموقف الرياض الرافض للانضمام إلى الاتفاقيات الابراهيمية عندما تمنى عليها ذلك ترامب عام 2018 خلال ولايته الأولى بالبيت الأبيض، الأثر الفعال والإيجابي والمؤثر بإبقاء القضية الفلسطينية حية في عقول أصحاب القرار الدولي. مشددة على رفضها الانخراط في عمليات التطبيع مع إسرائيل قبل إقرار الحل الشامل للصراع في المنطقة وفق ما أوردناه آنفاً.
نبض