الراعي الصالح
نديم شاهين
الراعي الصالح هو راعٍ حريص على من هو مسؤول عنهم، يضحّي بكلّ شيء حتى بحياته لأجل حمايتهم، ويقودهم إلى برّ الأمان، متخطياً كل الصعوبات والمخاطر.
ثمة معلومات برزت في الآونة الأخيرة حذرت من خطر استهداف قد يطاول رئيس الجمهورية جوزف عون. قالتها يوم أمس الاستخبارات العسكريّة الإسرائيلية: "المفاوضات التي يديرها رئيس لبنان جوزف عون مع إسرائيل تضع حياته في خطر".
ليس بغريب أن يطلق فريق "حزب الله" ومعه مسؤولون أمنيّون إيرانيّون، التهديدات والتوعّدات المهوّلة بالاغتيال المعنوي وربما الجسدي، هو الذي أمعن في طمس الأصوات المعارضة له، و المناقضة لمشروعه الإقليمي الخبيث منذ 2005 حتى يومنا هذا. فالوعيد بمصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات، كما الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يشير إلى رغبةٍ لدى هذه المجموعة في خلق جوّ من التوتّر و الخوف لدى المسؤولين اللبنانيين، علّهم يلجأون إلى التردّد و التريّث والتّراجع عن مواقفهم المتقدّمة في سياق المسار التفاوضي من أجل إنقاذ لبنان.
يعطي دستور لبنان رئيس جمهوريّته مهمّة تولّي مسألة التفاوض و إبرام الاتفاقات و المعاهدات الدوليّة شخصيّاً. أثبت الرئيس جوزف عون حتى الآن، كامل جهوزيته في مواصلة هذا المسار، بعد أن اتخذ القرار الصالح والصائب في اتباعه حتى النهاية، مواصلاً نجاحه في إحداث الخروق الإيجابيّة على هذه الدرب، أوّلها وقف النار الذي فرضه الرئيس ترامب بعد مكالمته عون.
خطوة استثنائيّة وضروريّة قام بها الرئيس عون، ألا وهي انتزاع ورقة التفاوض من يد الجهات الإقليميّة التي لطالما حكمت لبنان بالوصاية، وأقحمته في حروبٍ غصباً عن إرادة شعبه: بالديبلوماسية، أعاد الكلمة الأخيرة إلى الدولة و أركانها. تحمّل المسؤوليّة على عاتقه الشخصي، وأخذ يمضي على هذا الطريق الشاق والطويل، نحو تحصيل لبنان الأمن لسكانه والسلام مع جيرته.
خلال الخطاب الذي ألقاه قبل أسبوعين، شدّد عون على تولّيه مسؤولية حماية الوطن بشتّى الوسائل المتاحة له، التي يعلمها جيّداً كونه قائداً سابقاً للجيش اللبناني، و قائداً أعلى للقوى المسلحة إلى جانب مهماته الرئاسية حالياً. باختياره الوسيلة الديبلوماسية كحلٍّ مستدام لمشاكل لبنان المزمنة، كما الحروب المدمّرة المفروضة عليه، يضع نفسه، رغم الصعوبات و المخاطر، في سدّة إنقاذ البلد وتحرير أراضيه وحماية شعبه، ما يعني الوصول التدريجي إلى خلاص هذا الوطن المصلوب.
"بين الموت العبثي و المجاني والدوري بذرائع القضايا الخارجية، وبين الحياة لوطننا وأهلنا بكرامةٍ وحرية ورفاه، أنا و شعبنا مع الحياة". هكذا اصطفّ عون، بصراحة ووضوح، مع إرادة الحياة ضد ثقافة الانتحار الجماعي، مع البناء ضد التدمير، مع البقاء ضد التهجير، مع الوطنيّة المسؤولة ضد الأدلجة المقيتة والنظريات البالية.
يسرد لنا القديس يوحنا الحبيب، في إنجيله، مثل الراعي الصالح، وصفاً إياه بالجدير الثقة والوفيّ نحو خرافه. ذاك الذي يضحّي بحياته من أجل خرافه، واضعاً نفسه في مواجهة الخطر والذئاب حمايةً لها و لسلامتها وأمنها. لا يتركها مهما يحصل، على عكس الأجير: فالأجير يهرب، و يترك الخراف لمصيرها عند المحنة أو الخطورة.
يعلمنا المسيح أن الراعي الصالح هو راعٍ حريص على من هو مسؤول عنهم، يضحّي بكلّ شيء حتى بحياته لأجل حمايتهم، و يقودهم إلى بر الأمان، متخطياً كل الصعوبات و المخاطر.
كم نحن اليوم بحاجة إلى راعٍ صالح. رجلٌ يضع مصلحة الوطن وأمن شعبه فوق كل اعتبار. لربّما يمكننا إيجاد ملامح هذه الشخصيّة في رئيس جمهوريتنا، في مواقفه وخياراته، هو الذي اختار أن يقوم بالدور الاستثنائي الذي تتطلبه المرحلة العصيبة التي يمر بها لبنان، دور قيادة شعبه نحو الخلاص.
"لن أسمح أن يموت بعد اليوم لبنانيّ واحد، أو باستمرار النزف من شعبي"… لا يمتلك الرئيس عون "عصا موسى"، ولكنّه، في وجه من يجرّ لبنان نحو الحروب العبثيّة و تكرار المواجهات الدّامية التي لم تجلب سوى سوى مزيدٍ من الضحايا والدمار واحتلال أراضي الوطن، يمضي اليوم على طريق التفاوض و الحوار، باحثاً عن سبل حماية شعب لبنان وتحقيق أمنه المستدام ومصالحه الوطنية العليا، في خضمّ إقليمٍ مشتعل ومسرحٍ دوليّ تسوده شريعة الغاب وحكم الأقوياء على الضعفاء.
شرف، تضحية، وفاء: يعبّر هذا الشعار عن المواصفات التي تتحلّى بها عناصر جيشنا الوطني، المكلّف وحده حماية الأرض و الشعب في وجه المخاطر الداخلية والخارجية. وفاءً لقسمه الذي ألقاه فور انتخابه رئيساً للبلاد، وبكامل الإخلاص لتطلعات شعبه في العيش بكرامة وأمان و سلم، يتكفّل جوزف عون المسؤولية التاريخية الواقعة على عاتقه، رغم التهديدات والتوعّدات، والتزاماً لخياراته الهادفة نحو عبور لبنان إلى ضفةٍ أخرى، ضفة الاستقرار والإزدهار والسلام.
نبض