انكسار الهيمنة واعادة صوغ التوازنات
أكرم بزي
تأتي التطورات المتلاحقة في نيسان ٢٠٢٦ لتضع المنطقة امام منعطفٍ تاريخي حاسم، خصوصاً بعد فشل المفاوضات الاميركية - الايرانية في إسلام آباد، حيث سعى الوفد الاميركي الى فرض شروطٍ تعجيزية على ايران قوبلت برفضٍ حازم حال دون التنازل عن الثوابت الوطنية، لا سيما منها ما يتعلق بمكانة مضيق هرمز كأداةٍ سيادية واقتصادية. ولم يكن هذا الانسداد الديبلوماسي سوى الشرارة التي فجرت جملةً من التحولات الجيوسياسية الكبرى، بحيث تتداخل المعطيات الواردة من كبريات المؤسسات الصحافية والبحثية الغربية لترسم صورةً قاتمة لمستقبل النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، مشيرة الى تحولٍ جذري في موازين القوى يتجاوز الصراع العسكري المباشر ليصل الى اعادة صوغ القواعد الجيوسياسية والاقتصادية الحاكمة المنطقة. ويمكن استعراض هذا التقدير من خلال تفكيك الازمات المتلاحقة التي عصفت باستراتيجية واشنطن المتهالكة.
بدأت ملامح هذا التحول مع التقرير الصادر عن صحيفة "فايننشال تايمز" في أوائل نيسان ٢٠٢٦، والذي كشف عن تناقضٍ صارخ بين الخطاب العلني الحاد للرئيس دونالد ترامب وبين المسارات السرية التي سلكتها إدارته، إذ اكدت التقارير إعتماد واشنطن على باكستان وتحديداً قائد الجيش عاصم منير كقناةٍ خلفية للتواصل مع طهران، جاء هذا التحول نتيجة ضغوطٍ حقيقية تمثلت في قفزةٍ هائلة في أسعار النفط العالمية إثر التوتر في مضيق هرمز، مما هدّد الاقتصاد الاميركي بشكلٍ مباشر، وأجبر الادارة على البحث عن مخرجٍ ديبلوماسي يحفظ ماء الوجه أمام صمود النظام الايراني وعدم تراجعه رغم التهديدات العسكرية، لتنتهي هذه التحركات بهدنةٍ موقتة لمدة أسبوعين تهدف لاعادة فتح المضيق في مقابل تخفيفٍ جزئي للضغط العسكري والبحث عن صيغة تفاهمٍ جديدة، ما يعكس تراجعاً واضحاً في قدرة واشنطن على فرض إرادتها منفردة.
في السياق ذاته، قدم البروفسور جون ميرشايمر رؤيةً استراتيجية بالغة الاهمية خلال مشاركته في المؤتمر السنوي الحادي عشر للمركز العربي في واشنطن بتاريخ ١٠ نيسان ٢٠٢٦، عندما أشار الى أن واشنطن وصلت الى حالةٍ من اليأس الديبلوماسي لادراكها أن مفتاح التهدئة يبدأ بوقف الهجمات الاسرائيلية على لبنان، وهو ما ترفضه تل أبيب سعياً الى تقويض فرص التفاوض. ويرى ميرشايمر أن إيران باتت في كرسي القيادة بفضل قدرتها على خنق الاقتصاد العالمي، ما دفع إدارة ترامب الى قبول خطة النقاط العشر الايرانية قاعدةً للتفاوض، ويعتبر أن الخيار العسكري الاميركي بات غير واقعي نظراً الى محدودية القوات البرية وتضرر القواعد الرئيسية في المنطقة، مؤكداً أن الاستسلام للواقع الميداني هو المخرج الوحيد لتفادي كارثةٍ شاملة، خصوصاً بعد أن تحولت إسرائيل من ذراعٍ استراتيجية الى عبءٍ ثقيل يرهق السياسة الاميركية ويسمم علاقتها بالرأي العام العالمي.
من جانبه عبر توماس فريدمان في مقالٍ تحليلي في صحيفة "نيويورك تايمز" مطلع نيسان ٢٠٢٦ عن قلقه العميق من غياب الرؤية الاستراتيجية لدى إدارة ترامب، واصفاً الفريق المسؤول عن السياسة الخارجية بأنه يفتقر الى الكفاءة اللازمة لادارة أزمةٍ بهذا الحجم والتعقيد. واعتبر أن إيران قررت كسر جدار الخوف والهروب الى الامام باستخدام أوراقها الاقليمية، ما وضع الولايات المتحدة أمام واقعٍ جيوسياسي جديد لم تكن مستعدة له على الاطلاق، وهو ما يعد دليلاً قطعياً على فشل سياسة الضغوط القصوى وولادة توازناتٍ لمصلحة قوىً إقليمية تفرض شروطها في الميدان وتنتزع اعترافاً دولياً بمصالحها الحيوية، مشيراً الى أن القوة الصلبة لم تعد كافيةً لحماية المصالح الاميركية في ظل التطور التكنولوجي لأدوات الصراع التي تمتلكها طهران وحلفاؤها.
إقتصادياً، حققت إيران إنتصاراً إستراتيجياً كبيراً تمثل في فرض رسوم عبورٍ بمضيق هرمز، حيث تشير التقديرات التي أوردها الخبير الاقتصادي يانيس فاروفاكيس الى أن هذه الرسوم ستدرّ على طهران مبالغ طائلة سنوياً- لو تحققت- مما يمثل ربع الاقتصاد الايراني تقريباً، وقد نالت طهران هذا الامتياز بموافقةٍ ضمنية من دول الاقليم، ما منحها مكانةً إستثنائيةً رغم العقوبات المستمرة. ولفت فاروفاكيس الى أن هذه السابقة تغير قواعد النظام العالمي وقانون البحار، وتنهي رسمياً الطموحات الاميركية ربط المنطقة بإسرائيل عبر تحالفاتٍ تهمش الحقوق التاريخية للشعوب، بينما تكتفي الصين بمراقبة تراجع الهيمنة الاميركية وملء الفراغ الديبلوماسي عبر رعاية اتفاقاتٍ تاريخية تضمن تدفق الطاقة بعيداً من الاملاءات الغربية، وهو ما يعزز مكانة طهران كلاعبٍ لا يمكن تجاوزه في أي معادلةٍ اقتصادية دولية قادمة.
تعددت القراءات البحثية التي وصفت مسار الصراع بأنه هزيمة استراتيجية شاملة، إذ اعتبر معهد ستيمسون أن نجاح طهران في فرض نفسها كحارسٍ للمضيق حتى في ظل وقف النار، هو النكسة الأكثر أهميةً لواشنطن منذ عقود. كذلك أكد معهد "كاتو" أن غياب الاهداف النهائية جعل القوة العسكرية غايةً في حدّ ذاتها ومنفصلةً عن النتائج السياسية المرجوة، مما ادى الى كارثةٍ محققة لأن الضربات لم تؤدّ الى انهيار النظام بل عززت قدرته على الاستنزاف الطويل. واضاف موقع "ريسبونسيبل ستيت كرافت" أن الانتشار العسكري الاميركي تحول من أداة ردعٍ الى هدفٍ سهل للمسيرات الايرانية، وهو ما أثبت أن الوجود العسكري التقليدي لم يعد قادراً على فرض الامن الاقليمي. ولخصت مجلة "نيو ستيتسمان" البريطانية المشهد عبر وصف مغامرة ترامب بأنها معول هدمٍ لهيبة أميركا، وفتحت الباب أمام نظامٍ عالمي جديد لن تكون واشنطن فيه الآمر الناهي.
نبض