نحو دولة تجمع ولا تفرّق

منبر 13-04-2026 | 10:48

نحو دولة تجمع ولا تفرّق

في ظل ما يمرّ به لبنان من أزماتٍ متراكمة وتحديات عميقة، يبرز سؤال جوهري في علم الاجتماع السياسي يتعلق بقدرة الأنظمة السياسية المتعاقبة على إنتاج استقرارٍ مستدام.
نحو دولة تجمع ولا تفرّق
ارشيفية
Smaller Bigger

د. لانا جرجي موسى


في ظل ما يمرّ به لبنان من أزماتٍ متراكمة وتحديات عميقة، يبرز سؤال جوهري في علم الاجتماع السياسي يتعلق بقدرة الأنظمة السياسية المتعاقبة على إنتاج استقرارٍ مستدام. فبعد عقودٍ من التّحولات، تتأكد الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الدولة بصفته الإطار التنظيمي الجامع الذي يضمن العدالة والمساواة والاستقرار. 
لا يقوم هذا الطرح على قراءة الماضي كحالة إخفاق، بل كمسارٍ تاريخي مركّب يكشف طبيعة العلاقة بين البنية الاجتماعية والنظام السياسي، ويتيح استخلاص دروسٍ تساعد على الانتقال نحو مرحلةٍ أكثر توازناً واستقراراً، تكون فيها الدولة المرجعية الأساسية لتنظيم العلاقة بين المواطنين من دون تمييز.
في السياق اللبناني، تشير التجربة التاريخية إلى أن تبدّل القوى السياسية لم ينعكس بالضرورة على مستوى الاستقرار أو فعالية المؤسسات، ما يطرح إشكاليةً بنيوية تتعلق بآليات إنتاج السلطة أكثر من ارتباطها بالأفراد. ويمكن إسقاط هذا الإطار على الحالة اللبنانية لفهم كيفية تداخل البنى الاجتماعية مع الوظيفة المؤسساتية للدولة، بما يحدّ من قدرتها على إنتاج شرعيةٍ جامعة.
من منظور دوركايم، يرتبط الاستقرار الاجتماعي بمستوى "التضامن الاجتماعي"، أي قدرة المجتمع على إنتاج روابطٍ جامعة تتجاوز الانقسامات الأولية. وعند ضعف هذا التضامن، تتفكك البنية الاجتماعية ويضعف تماسك الدولة.
أما ماكس فيبر فيؤكد أن الدولة الحديثة تقوم على احتكار الشرعية القانونية وممارستها بشكلٍ موحّد وعادل. وعندما تتعدد مصادر الشرعية أو تُدار المؤسسات بمنطق الفئات، تتراجع فعالية الدولة في التنظيم والحماية.
ويضيف بيار بورديو أن البنى غير الرسمية، مثل شبكات النفوذ والعلاقات الزبائنية، تساهم في إعادة إنتاج الاختلالات البنيوية داخل النظام الاجتماعي والسياسي، حتى في ظل تغيّر الفاعلين، ما يجعل التغيير غالباً إعادة إنتاجٍ للأزمة بصيغٍ مختلفة.
في ضوء ذلك، تكشف التجربة اللبنانية استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، ما يعكس أزمةً بنيوية تتعلّق بآليات إنتاج السلطة أكثر من كونها أزمة دورات سياسية. ويُظهر ذلك أن الدولة بحاجةٍ إلى إعادة تموضع بصفتها إطاراً محايداً قائماً على المواطنة وسيادة القانون، لا على التوازنات والانتماءات الضيقة.
يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة في لبنان كمرحلةٍ مفصلية في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، بما يفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة المؤسسية وتطوير نموذج حكمٍ أكثر استقراراً.
كما تُظهر التجارب التاريخية أن فترات حضور الدولة ومؤسساتها بشكل فعّال ارتبطت بدرجاتٍ أعلى من الاستقرار والدور الاقتصادي والثقافي، ما يعكس العلاقة البنيوية بين قوة الدولة واستدامة الاستقرار.
وفي المقابل، يُعدّ رأس مال البشري من أبرز عناصر القوة في لبنان، حيث يتميز المجتمع اللبناني، وخصوصاً فئة الشباب، بقدرةٍ عالية على الإبداع والمرونة والنجاح داخل الوطن وخارجه، ما يشكّل رصيداً تنموياً يمكن البناء عليه ضمن إطارٍ مؤسساتي مستقر. وعليه، فإن الاستثمار في الإنسان والمؤسسات يمثل شرطاً أساسياً لأي مسارٍ تنموي مستدام.
إن بناء دولة المواطنة لا يعني إلغاء التنوع، بل إعادة تنظيمه ضمن إطارٍ قانوني ومؤسساتي يضمن المساواة في الحقوق والواجبات. فالدولة القوية ليست تلك التي ينتصر فيها طرف على آخر، بل تلك التي يشعر فيها جميع المواطنين بالانتماء والحماية تحت سقف القانون.
وفي المحصلة، يمكن النظر إلى المرحلة الرّاهنة في لبنان كفرصةٍ لإعادة صوغ عقدٍ اجتماعي جديد قائم على المواطنة، والمساواة، وسيادة القانون، بما يعزز الانتقال نحو دولةٍ أكثر عدالةً واستدامة.
وفي النهاية، قد تكون هذه المرحلة فرصةً لنختار ما يجمعنا بدل ما يفرقنا، وما يبني بدل ما يهدم. فنحن رسل سلام، لا نريد حرباً بأي شكلٍ كان، بل نطمح إلى مستقبلٍ آمن يليق بلبنان وشعبه، في ظل دولةٍ عادلة تحمي الجميع وتضمن الكرامة والمساواة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.