د. نواف القنطار
خطاب الكراهية (Hate Speech) : كل تعبير لفظي أو كتابي أو رمزي أو سلوكي يحرض على العنف أو التمييز أو العداء تجاه فرد أو مجموعة من الأفراد، بناءً على خصائصهم الذاتية المتأصلة أو هوياتهم الجماعية، كالعرق أو اللون أو الأصل القومي أو الدين أو المذهب أو اللغة أو الجنس أو الإعاقة أو أي وضع آخر من الأوضاع المماثلة التي تهدد السلم المجتمعي.
لا يُعَّد خطاب الكراهية في المجتمعات المعاصرة مجرد تجاوز لفظي أو" انزلاق" أخلاقي عابر، إنما تحول في بنية الوعي العام، وفي الوقت الذي ينظر إليه البعض بصفته "عيباً" جوهرياً في بنية السوق الرأسمالي، يراه آخرون انعكاساً للصراعات الطبقية وآلية لإعادة إنتاج الهيمنة، في حين يؤكد حقوقيون ودعاة البنية المدنية للمجتمع على كونه ( الخطاب) انتهاكاً لكرامة الإنسان وتمزيقاً للنسيج المجتمعي. وبالتالي فإن الظاهرة تجاوزت برأي الجميع كونها مجرد أداة تعبيرية إلى اعتبارها موقعاً للصراع الأيديولوجي والاقتصادي.
يكمن خطر هذا الخطاب في قدرته على التحول من مجرد أفكار سلبية إلى أفعال عدوانية، ولم تعد أشكاله الحالية محصورة في المنابر التقليدية، بل تمتد إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر فضاءً واسعاً لنشر السموم الفكرية بسرعة كبيرة، فالتعليقات المسيئة التي تهين مجموعات بشرية، كلها أشكال معاصرة لهذه الآفة. وتتجاوز آثار خطاب الكراهية الضحية المباشرة لتطال المجتمع بأكمله، فهو يخلق مناخاً من الخوف وعدم الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، ويعمق الانقسامات الاجتماعية ويساهم في تهميش فئات بأكملها، كما يهدد المبادئ الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث لا يمكن للمجتمع أن يحقق العدالة والمساواة في ظل انتشار خطاب يكرس التمييز والكراهية.
في إطار المنطق الرأسمالي، لا تُفهم الظواهر الاجتماعية بمعزل عن مبدأ حرية التبادل التجاري واستقرار المناخ الملائم لتراكم رؤوس الأموال، ومن هنا يظهر خطاب الكراهية بصفته " عيباً" في بنية السوق وبيئة الأعمال، فالمجتمع الذي تسوده خطابات التحريض الطائفي أو العرقي، يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى التراجع عن الاستثمارات طويلة الأجل، لأن الاستقرار الاجتماعي ليس قيمة مجردة، بل هو "سلعة عامة" تنتج الثقة الضرورية لتدفق رؤوس الأموال. كما يستند المنطق الرأسمالي إلى مبدأ المساواة " الشكلية" في الفرص كآلية لضمان المنافسة، فإذا كان خطاب الكراهية يعمل على إعادة إنتاج اختلالات هيكلية في آليات السوق، حيث يستبعد مجموعات بعينها من فرص العمل أو الإبداع، فإن ذلك يؤدي إلى ما يمكن تسميته "فشل السوق"، فالرأسمالية المعاصرة لا يمكنها تحقيق أقصى عوائدها إلا حين تستفيد من الطاقات المتاحة من دون تمييز، وفي هذا السياق لا يبرز التسامح ( Tolerance) فضيلة أخلاقية فحسب، وإنما باعتباره استثماراً في الكفاءة الإنتاجية، ما يعني أن تنظيم خطاب الكراهية لا يُقرأ كتقييد للحريات، بل حماية للحرية الأعلى: حرية السوق.
من منظور آخر، يمكن فهم خطاب الكراهية كجزء من البنية الفوقية التي تعكس الصراعات الطبقية والاقتصادية الكامنة في المجتمع، فالوعي الاجتماعي يتحدد بالوجود الاجتماعي، وبالتالي فإن خطاب الكراهية لا ينشأ في فراغ، بل هو نتاج علاقات إنتاج متوترة وصراع على الموارد والسلطة. وكما يقول ماركس فإن "الأفكار المسيطرة في أي عصر هي أفكار الطبقة المسيطرة"، لذلك فإن هذا الخطاب يُوظَّف كأداة لتبرير الهيمنة الطبقية وتفكيك الفئات المهمشة في المجتمع.
يتجلى ذلك في تحويل الصراع الطبقي العمودي إلى صراعات أفقية عرقية أو طائفية أو مذهبية، وهي سياسة تمارسها النخب المسيطرة للحفاظ على امتيازاتها، فخطاب الكراهية بهذا المعنى يشكل نوعاً من أنواع العنف الرمزي الذي يمارسه أصحاب رأس المال والسلطة لتقسيم الطبقة العاملة، وإضعاف إمكانية التفافها حول مطالب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.
اكتسبت هذه الإشكاليات أبعاداً مأساوية في الوضع السوري، خصوصاً في ظل الأزمة التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011. فمن وجهة يمكن تفسير تصاعد خطاب الكراهية كنتيجة لتفكك البنى الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، وتحول الصراع من صراع طبقي إلى صراع هوياتي بفعل تدخل القوى الدولية والإقليمية المختلفة، حيث وظفت مختلف الأطراف المتورطة في النزاع السوري خطاب الكراهية كسلاح جرى إنتاجه استناداً إلى الانتماءات والمرجعيات الطائفية والمناطقية والإثنية وغيرها.
ويعكس هذا التحول فشل الطبقة العاملة وقادتها والمثقفين الذين يتحدثون باسمها في بلورة مشروع وطني تقدمي موحد يتجاوز الانقسامات الضيقة، فعوضاً عن أن يتحد العمال والفلاحون والمهمشون حول مطالبهم المشتركة، تم توجيه أفكارهم نحو صراعات جانبية خدمت مصالح النخب المحلية والإقليمية، وأدت إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وخلق حواجز نفسية واجتماعية ما بين الفئات الشعبية التي جمعتها مصالح اقتصادية مشتركة.

تتطلب مواجهة خطاب الكراهية مقاربة متعددة المستويات، أولها، على المستوى التشريعي: حيث تحتاج الدول إلى قوانين تجرم خطاب الكراهية مع الحفاظ على حرية التعبير المشروعة. ثانياً، على المستوى التعليمي: إذ يلعب التعليم دوراً محورياً في ترسيخ قيم التسامح واحترام الاختلاف. ثالثاً، على مستوى المؤسسات الدينية والثقافية التي يمكنها أن تكون منابر لنشر ثقافة الحوار والتعايش.
غير أنه لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية بمعزل عن معالجة جذوره الاقتصادية والاجتماعية، فذلك يتطلب مشروعاً تنويرياً عاماً يعيد بناء الوعي الطبقي، ويكشف عن الوظيفة الأيديولوجية لخطاب الكراهية كأداة في يد الطبقة المسيطرة، كما يستدعي بناء تحالفات اجتماعية عريضة على أسس طبقية ومصلحية مشتركة تتجاوز الانقسامات الهوياتية المفروضة.
يكشف تحليل خطاب الكراهية عن مفارقة جوهرية: فما يبدو للوهلة الأولى صراعاً ثقافياً أو سياسياً، هو في العمق مسألة اقتصادية وطبقية تتعلق باستدامة بيئة الأعمال من جهة، وبإعادة إنتاج الهيمنة من جهة أخرى. فالبرجوازية تدرك أن خطاب الكراهية يشكل تهديداً وجودياً لمبدأ "التبادل الحر" لأنه يفسد البنية التحتية التي تقوم عليها المجتمعات الرأسمالية (الثقة، والاستقرار، والشمولية الوظيفية لرأس المال).
وبينما يرى المنظور الماركسي أنه أداة لتفكيك الوعي الطبقي، فإن مقاومة هذا الخطاب لا تمثل مجرد موقف حقوقي أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية وسياسية لحماية المجتمع واستعادة المشروع التحرري الذي يوحد الفئات المهمشة حول برنامج اجتماعي واقتصادي عادل. فلا يمكن مواجهة خطاب الكراهية بمعزل عن معالجة جذوره الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يتطلب مشروعاً تنويرياً يعيد بناء الوعي الطبقي، ويكشف عن الوظيفة الأيديولوجية لخطاب الكراهية كأداة في يد الطبقة المسيطرة.
يمثل خطاب الكراهية تحدياً كبيراً يواجه المجتمعات المعاصرة، لكنه ليس قدراً محتوماً. فبالإرادة السياسية السليمة، والتشريعات الناظمة، والتعليم الواعي، والوعي الفردي المتزايد، يمكننا بناء مجتمع تصان فيه كرامة الإنسان، ويحترم فيه الاختلاف، ويسود فيه الحوار عوضاً عن الصراع، أما الاستثمار في ثقافة التسامح ( Tolerance) فسوف يمثل ضمانة لمجتمع أكثر أمناً واستقراراً للأجيال القادمة.
نبض