المعرفة في العالم العربي: بين التقدّم المتفاوت وفرصة بناء مستقبل أكثر جاهزية

منبر 31-03-2026 | 10:36

المعرفة في العالم العربي: بين التقدّم المتفاوت وفرصة بناء مستقبل أكثر جاهزية

تكشف نتائج مؤشر المعرفة العالمي 2025 أن العالم العربي يتحرك فعلاً في اتجاه تعزيز مكانة المعرفة في السياسات الوطنية، لكن هذا التقدم لا يسير بالوتيرة نفسها بين جميع الدول.
المعرفة في العالم العربي: بين التقدّم المتفاوت وفرصة بناء مستقبل أكثر جاهزية
تعبيرية. (فريبيك)
Smaller Bigger
الدكتور شفيق شيا*

 

 

لم تعد المعرفة اليوم ترفاً فكرياً أو عنواناً عاماً في الخطط الوطنية، بل أصبحت معياراً أساسياً لقدرة الدول على المنافسة، وتحقيق التنمية المستدامة، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم. وفي منطقتنا العربية، حيث تتشابك التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قراءة موضوعية وهادئة لموقعنا في مسار بناء مجتمعات واقتصادات قائمة على المعرفة.

في هذا السياق، يُعد مؤشر المعرفة العالمي مبادرة رائدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ويُعد بالشراكة مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة حيث له أهمية خاصة، ليس فقط لأنه يقدم صورة مقارنة لأداء 195 دولة، بل لأنه يعكس أيضاً تحولاً منهجياً مهماً في طريقة فهم المعرفة نفسها. فالإصدار الجديد لم يعد يكتفي بالنظر إلى التعليم أو التكنولوجيا كقطاعات منفصلة، بل يربط بين المعرفة والاستدامة، والمرونة، والشمول، والجاهزية للمستقبل، من خلال ستة أبعاد مترابطة تشمل التعليم قبل الجامعي، والتعليم التقني والمهني والتعليم العالي، والبحث والتطوير والابتكار، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والاقتصاد، والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.

ومن موقعي عضواً في اللجنة الاستشارية لمؤشر المعرفة العالمي 2025، أرى أن قيمة هذا التقرير لا تكمن فقط في الأرقام أو الترتيب، بل في كونه أداة استراتيجية تساعد صناع القرار في الدول العربية على فهم مكامن القوة والضعف، وعلى رسم سياسات أكثر تماسكاً لبناء مجتمع أكثر شمولاً وقدرة على التكيف من حيث الربط بين المعرفة والسياسات العامة وأهداف التنمية المستدامة.

العالم العربي: تقدّم واضح… لكن غير متوازن
تكشف نتائج مؤشر المعرفة العالمي 2025 أن العالم العربي يتحرك فعلاً في اتجاه تعزيز مكانة المعرفة في السياسات الوطنية، لكن هذا التقدم لا يسير بالوتيرة نفسها بين جميع الدول. فثمة دول نجحت في بناء منظومات أكثر تكاملاً تربط بين التعليم، والتحول الرقمي، والاقتصاد، والحوكمة، حيث الإمارات العربية المتحدة المنطقة العربية بنتيجة بلغت 55.2، محتلة المرتبة 26 عالمياً، تليها السعودية بنتيجة 45.4، ثم قطر بنتيجة 44.2، والبحرين بنتيجة 40.9. وفي الوسط تأتي دول مثل تونس ومصر ولبنان والمغرب، التي تتمركز نتائجها في حدود الثلاثينات العليا. أما في الطرف الأدنى نرى الجزائر بنتيجة 30.6، وفلسطين بنتيجة 29.5، وسوريا بنتيجة 21.4.

ما يلفت النظر أن بعض الدول العربية، ولا سيما في الخليج، لم تعد تنظر إلى المعرفة كقطاع، بل كمشروع دولة. فالاستثمار في التعليم، والبنية الرقمية، والمهارات، والابتكار، وتحسين بيئة الأعمال، بات جزءاً من رؤية أشمل تتعلق بالمستقبل الاقتصادي والاجتماعي. وفي المقابل، تُظهر نتائج المؤشر أن عدداً من الدول العربية الأخرى ما زال يحقق تقدماً جزئياً في بعض المجالات، لكنه لا ينجح في بناء الحلقة الكاملة لاستراتيجية شاملة تربط التعليم بالابتكار، والرقمنة بالإنتاجية، والحوكمة بالتنمية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية: الدول العربية ليست فقيرة في الطاقات، ولا في الطموحات، لكنها ما زالت متفاوتة في قدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة مؤسسية واقتصادية حقيقية. فهناك تحسن ملحوظ في بعض مؤشرات التعليم، لكن الفجوة تظل واضحة في البحث العلمي والتطوير والابتكار. وهناك توسع في استخدام التكنولوجيا، لكن ذلك لا يعني دائماً وجود اقتصاد رقمي متين أو بيئة ابتكار ناضجة. وهناك أيضاً وعي متزايد بأهمية الحوكمة، لكن ليس بالقدر الكافي في كل الدول لترجمة هذا الوعي إلى سياسات فعالة ومؤسسات موثوقة.

لا يكفي أن تسجل الدول العربية تقدماً في التعليم أو أن توسع من حضورها الرقمي. التحدي الحقيقي هو في القدرة على تحويل المعرفة إلى فرص عمل أفضل، إلى إنتاجية أعلى، إلى مؤسسات أكثر كفاءة، إلى سياسات عامة أكثر استنارة، وإلى مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحولات.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة تتطلب من صناع القرار الانتقال من منطق الإصلاح القطاعي المنفصل إلى منطق المنظومات المتكاملة.  فالتعليم لا يكفي وحده إذا لم يرتبط بسوق العمل والابتكار. والتحول الرقمي لا يكفي إذا بقي مجرد تحديث للخدمات من دون أثر اقتصادي ومجتمعي أوسع. والبحث العلمي لا يحقق قيمته الكاملة إذا لم يجد بيئة مؤسسية وتمويلية تسمح له بالتحول إلى حلول ومنتجات وسياسات.

بمعنى آخر، فإن المعرفة في عام 2025 لم تعد تُقاس فقط بمدى توفر المدارس والجامعات أو انتشار الإنترنت، بل بقدرة الدولة على إدارة هذا كله ضمن رؤية متماسكة للمستقبل.

لبنان: قدرات قائمة لكن البيئة الوطنية تعيق تحويلها إلى قوة
أما لبنان، فتقدم نتائجه في المؤشر صورة واقعية ومؤلمة في آن واحد. فلبنان لا يزال يحتفظ ببعض عناصر القوة التي طالما تميز بها، ولا سيما في التعليم وفي نوعية رأس المال البشري. بلغت نتيجة لبنان في مؤشر المعرفة العالمي 2025 36.1، ما يضعه في المرتبة 88 عالمياً، وفي المرتبة العاشرة عربياً. ويأتي لبنان إلى جانب مصر التي سجلت النتيجة نفسها 36.1، وأدنى من الأردن 39.4، وعُمان 39.3، وتونس 38.0، وأعلى من المغرب 35.9، والجزائر 30.6، وفلسطين 29.5، وسوريا 21.4.  وبعبارة أخرى، فإن لبنان ليس في أسفل الترتيب العربي، لكنه لم يعد أيضاً من بين الدول المتقدمة إقليمياً. كما أنه يقع دون المتوسط العربي البالغ 37.0، وهو أمر ذو دلالة رمزية، إذ إن بلداً ارتبط تاريخياً بالتعليم والجامعات ورأس المال الفكري أصبح اليوم دون المتوسط العربي في الأداء المعرفي العام.

وتكشف صورة لبنان عن دلالات مهمة. فأقوى أبعاده هو التعليم قبل الجامعي بنتيجة 54.0، أي أعلى من المتوسط العربي البالغ 51.3. وهذا يؤكد أن لبنان لا يزال يحتفظ بقاعدة تعليمية أقوى مما توحي به مرتبته العامة. كما يشير إلى استمرار أصول بشرية وتعليمية وتقاليد تعلم وقدرات مدرسية لا تزال ذات قيمة رغم الأزمات الوطنية الممتدة.

أما في التعليم والتدريب التقني والمهني والتعليم العالي، فقد سجل لبنان 42.6  وهذه نتيجة أقوى من المغرب 37.1، وتونس 33.1، والبحرين 33.8، وعُمان 39.5، لكنها تأتي خلف مصر 44.2، وقطر 44.8، والسعودية 48.7، والإمارات 55.6 . ويعني ذلك أن لبنان لا يزال يمتلك إمكانات معتبرة في التعليم العالي والمهارات المتقدمة من دون أن ينجح بالقدر الكافي في تحويله إلى قدرة إنتاجية وطنية.

وفي البحث والتطوير والابتكار، سجل لبنان 19.5  وهذه النتيجة أدنى من الأردن 21.3  وتونس 20.6، وأعلى من مصر 16.8 والمغرب 16.0، لكنها تبقى أقل بكثير من الإمارات 31.6  والسعودية 25.4.  ويعكس هذا الموقع مفارقة لبنانية مألوفة، فالدولة تمتلك المواهب البحثية والعمق الأكاديمي، لكنها تفتقر إلى ما يكفي من الدعم المؤسسي، واستقرار التمويل، والروابط مع الصناعة، لتوسيع نطاق الابتكار. فالإمكانات البحثية موجودة، لكن المنظومة الوطنية اللازمة لاستيعابها، وتمويلها، وتسويقها، لا تزال ضعيفة.

أما نتيجة لبنان في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فقد بلغت 33.0، وهي أقل من المتوسط العربي البالغ 35.4، وأقل بكثير من الدول الخليجية. وهذه إحدى أوضح نقاط الضعف اللبنانية. فهي تعني أن ما يحتفظ به البلد من نقاط قوة تعليمية وبحثية لا تدعمه بنية رقمية، أو أدوات تمكين بالمستوى المطلوب لاقتصاد رقمي، تتسابق عليه الدول.

وفي الاقتصاد، سجل لبنان 40.0، أي أعلى قليلاً من المتوسط العربي البالغ 36.2، ومتقدماً بشكل طفيف على الأردن 39.5 والمغرب 37.8، لكنه لا يزال بعيداً عن الإمارات 63.8، وقطر 57.7، والسعودية 46.7. وهذا يوحي بأن لبنان لا يزال يحتفظ ببعض القدرة الإنتاجية وروح المبادرة، لكن من دون قوة اقتصادية كلية أو تنويع كافيين لدفع تحول معرفي أقوى. 

والأكثر إثارة للقلق هو نتيجته في الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية التي تعكس صورة الوضع  الكارثي الحالي، والتي بلغت 37.3، أي أقل بكثير من المتوسط العربي البالغ 41.8. وهنا تبدو الرسالة مباشرة، إذ أصبحت الحوكمة والمرونة الاجتماعية العامل الأكثر إعاقة لأداء لبنان المعرفي.

إذا كان ثمة درس واضح يقدمه مؤشر المعرفة العالمي 2025 للبنان، فهو أن الخروج من الأزمة لا يكون فقط عبر حماية ما تبقى من القطاع التعليمي، على أهميته، بل عبر مقاربة أشمل تعيد وصل التعليم بالاقتصاد، والبحث العلمي بالسياسات العامة، والرقمنة بالتنمية، والحوكمة بالثقة.

لبنان لا يحتاج إلى المزيد من المبادرات الرقمية وغير الرقمية، بل إلى إستراتيجية وطنية تعيد وضع المعرفة في قلب مشروع التعافي. وهذا يقتضي التركيز على أولويات واضحة: دعم التعليم النوعي ومنع مزيد من التآكل، تحفيز البحث والابتكار، تطوير البنية التحتية للإنترنت والاتصالات والبيئة الرقمية، تعزيز المهارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والأهم من ذلك كله، تحسين الحوكمة واستعادة فاعلية المؤسسات العامة. فالبلد الذي لا يستطيع أن يحسن إدارة موارده البشرية، لن يتمكن من تحويل المعرفة إلى تنمية، مهما بلغت كفاءة أفراده.

 

*المدير الإقليمي للسياسات العامة والشؤون الحكومية بمنطقة الشرق الأوسط في منظمة "رايب ان سي سي"

العلامات الدالة