"مَن أرادَ أَن يَكونَ فيكُم كَبيرًا يَكونُ لَكُم خادِمًا"
الاب ايلي قنبر
1. "إن المسيح دخَلَ ٱلأَقداسَ مَرَّةً واحِدَةً، لَيسَ بِدَمِ تُيوسٍ وَعُجولٍ، بَل بِدَمِهِ ٱلخاصِّ، فَوَجَدَ فِداءً أَبَدِيًّا"
لقد سجّل الأنبياء بوضوح لا لُبس فيه ما سيَعرض للمسيح. لم يقل أيّ منهم إنه سيكون لديه جيش[ أسَّس حزب "الغَيورون" يهوذا الجليليّ وزادوق الفرّيسيّ في العام 6 ق.م. ليكونوا جندَ المسيح الآتي وكردّ فعل على الاحتلال الرومانيّ. يرفضون حُكم الأجنبيّ ("الأُمميّ") لليهودي ويابون دفع الجزية لغير الله. إتّسموا بالتعصّب الشديد للدين، وعُرفوابلجوئهم إلى الخنجر لإتمام اغتيال الرومانيّ. انتهى تمرّدهم بدمار الهيكل سنة 70ب.م. انضمّ اثنان منهم إلى تلاميذ يسوع سمعان "الغيور" ويهوذا الإسخريوطيّ] يستيعد به السيادة "اليهوديّة" من روما. ولن يكون ملكًا مِثل باقي الملوك له أركان حُكم لبسط سلطته على فلسطين أو أبعد. لم يكن لدى يسوع الناصريّ يومًا المَيل للسيطرة أو الاستفادة من أيّ ظرف لمُراكمة المال والهدايا والسلطة كما يفعل "ٱلَّذينَ يُعَدّونَ أَراكِنَةَ ٱلأُمَمِ وَعُظَماءَهُم"[ هرقس 10: 41]. حتّى إن أقرب الناس إليه الذين عاشوا معه "ليلَ نهار" لم يفهموا الأمر كما هو، بالرغم من توضيحه المتكرِّر لهم:" َٱبنُ ٱلإِنسانِ سَيُسلَمُ إِلى رُؤَساءِ ٱلكَهَنَةِ وَٱلكَتَبَةِ، فَيَحكُمونَ عَلَيهِ بِٱلمَوتِ وَيُسلِمونَهُ إِلى ٱلأُمَمِ، فَيَهزَأونَ بِهِ، وَيَجلِدونَهُ، وَيَبصُقونَ عَلَيهِ، وَيَقتُلونَهُ، وَفي ٱليَومِ ٱلثّالِثِ يَقوم". رؤساء الكهنة اليهود والكتبة كشفوا وجه "المسيح" في يسوع، فتَوجّسوا خوفًا من سلطانه ومن فضحه لمسيرتهم الفاسدة فـ"تآمروا على الربّ وعلى مسيحه"، وتحيَّنوا الفرصة للانقضاض عليه والانتهاء منه. هم انتظروا "مسيحًا" يأتي ليَحكم ويُشركهم "في مجده" حسب طلب ابنَي زبَدى[ "هَب لَنا أَن يَجلِسَ أَحَدُنا عَن يَمينِكَ وَٱلآخَرُ عَن يَسارِكَ في مَجدِكَ".]. لكنّه خيّبهم إذ كشف وجههم المقنَّع ومدى ابتعادهم عن "صنع" مشيئة الإله، لا بل كشف استغلالهم لمناصبهم "تنعّمًا" باسم الربّ. ولمّا أحسّوا بالنار تقترب منهم، تآمروا عليه بوساطة أحد التلاميذ ليُسلمه إليهم، وحاكموه ثمّ أسلموه إلى الرومانيّ ليهزأ به ويبصق أحد جنوده عليه، ومن بعد يقتلونه ليكونوا كرؤساء كهنة وكتبة "بريئين من دَم هذا الصِدّيق"[ متّى 27: 24] كما فعل الحاكم بيلاطس البُنطيّ.
حاول أن يُبيّن يسوع لابنَي زبدى"إنكُما لا تَعلَمانِ ما تَطلُبان!"، غير أنّ التعلّق الأعمى بالسلطة كان كبيرًا، فمَنعهما من فهم مأربهما. ثمّ سألهما:" أَتَستَطيعانِ أَن تَشرَبا ٱلكَأسَ ٱلَّتي أَشرَبُها أَنا؟ وَأَن تَصطَبِغا بِٱلصَّبغَةِ ٱلَّتي أَصطَبِغُ بِها أَنا" فَقالا لَهُ بتسرُّع وطَيش: "نَستَطيع". فَقالَ لَهُما يَسوع: "أَمّا ٱلكَأسُ ٱلَّتي أَشرَبُها فَتَشرَبانِها، وَٱلصَّبغَةُ ٱلَّتي أَصطَبِغُ بِها فَتَصطَبِغانِ بِها"، لكن كان ينبغي أن ينتظرا إلى ما بعد قيامة المسيح ليعرفا معنى "الصبغة".
أمّا المسيح فـ"دخَلَ ٱلأَقداسَ مَرَّةً واحِدَةً، لَيسَ بِدَمِ تُيوسٍ وَعُجولٍ، بَل بِدَمِهِ ٱلخاصِّ، فَوَجَدَ فِداءً أَبَدِيًّا". دخل بـ"دمه الخاصّ"، أي دفع الثمن حياته ولم يُرِد أن يدفع الناس ثمن أخطاء بعضهم بعضًا. نعم، "ٱبنَ ٱلإِنسانِ لَم يَأتِ لِيُخدَمَ بَل لِيَخدُمَ، وَلِيَبذُلَ نَفسَهُ فِداءً عَن كَثيرين" دونما تمييز بين فرد وآخَر. لقد "أحبّ أخِصّاءَهُ الذينَ هُم في العالَمِ، أحبّهُم مُنتَهى الحُبّ"[ يوحنّا 13: 1-5، ]، فبذل نفسه عنهم[ يوحنّا 15: 13]. كان الخادم - النموذج بإخلاء ذاته حتّى الموت، الموت على الصليب.
2. وَأَمّا ٱلجُلوسُ عَن يَميني أَو يَساري فَهُوَ لِلَّذين أُعِدَّ لَهُم"
من الطبيعي أن يروم المرء مرتبة أفضل من تلك التي هو فيها، من باب الطموح والتجديد. غير أنّ التطلّع إلى المراتب والاستماتة في الوصول إليها، والتمسّك بها، ولو أنّه يحصل في حياتنا اليوميّة، لكنّه شأن غير سليم ويرتبط بحالة نفسيّة غير سويّة كما في حالتَي ترامࢷ والنتِن-ياهو.
يعقوب ويوحنّا ابنا زبّدى قاما بخطوة جريئة: طلب أن يكون أحدهما عن يمين "ابن الانسان" والآخَر عن يساره. فهِما ككلّ يهوديّ أنّهما سيَحكمان ويَدينان شعبهم-أسباط إسرائيل الاثنَي عشَر. لقّنهما يسوع درسًا، وعبرهما للرسل وسائر الناس: إذا أردتَ الإمامة فكُن متواضعًا وخادمًا للناس على غرار المعلِّم. ولأكون كذلك، عليّ أن أعرف أنّ "المسيح ليس معلومة تُنقَل، بل سرًّا يسكن البشريّة ويَطلب التعرّف إليه ليندرج في الحياة" حسب واعظ الكرسيّ الرسوليّ الحاليّ. ويُضيف الأب روبرتو ࢷازوليني[ Troisième prédication de Carême au Vatican : la mission : Annoncer l’Évangile à toute créature mars 20, 2026 -P. Roberto Pasolini]
:"يأخذ المسيح مكانه فينا، في الصمت، وفي الصلاة، وفي خياراتنا اليوميّة. ليعود من بعد إلى الاعتلان خارجًا، في حركاتنا وفي الطريقة التي ندخل فيها بعلاقة مع الآخَرين. حين يعتلن سرّ المسيح فينا ، أمر آخَر يبدأ بالتحرّك لدى الآخَرين أيضًا". هذا لم يفقهُه الرسُل أوّلًا ولا نحن، بل لزِمنا الروح القدس لنستنير ونولَد جديدًا وننطلق بالبشارة والشهادة[ 1 يوحنّا 1: 1-3] .
3. " التحرر الحقيقي يبدأ بتفكيك هذه البنى الفكرية التي تبرر السيطرة الخارجية".
بالرجوع إلى فكر ابنَي زبدى البدائيّ، لم يطوِّر "الغيورون" ولا سواهم"مع الزمن أشكالاً متعددة من المقاومة السياسية والثقافية[ كريم حداد، لماذا ستفشل الحرب الأميركيّة الاسرائيليّة، الأخبار، 18 آذار 2026]، رغم أن السيطرة المفروضة بالقوة لا تستطيع القضاء على إرادة التحرر"، كما ذهب الطبيب والمناضل فرانتز فانون في كتابه «معذبو الأرض». لم يكونوا حاضرين فكريًا لفَهم إرادة التحرّر، ولا لفَهم "أن الهيمنة لا تعمل فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر السيطرة على اللغة والمعرفة، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بتفكيك هذه البنى الفكرية التي تبرر السيطرة الخارجية" بحسب المفكر الكيني نغوغو وا ثيونغو، في كتابه "نزع الاستعمار من العقل". من هنا، "يصبح لزامًا على شعوب المنطقة ودُولها أن تدرك أنّ حاضرها ومستقبلها لا يصنعه[ خليل رعد، الولايات المتّحدة الأميركيّة تعترف: إيران كرّست نفسها لقتالنا، الأخبار، 21 آذار 2026] إلاّ أبناؤها دون وصاية أو تبعيّة".
هلَّا أردنا "تفكيك البنى الفكرية التي تبرر السيطرة الخارجية لنكون أحرارًا؟
نبض