المسعف يوسف ريمون عساف: هالخدمة واجب عليّي
الأب ريشار فرعون - راهب مخلصي
في ليلة 19 شباط 2026، في الأسبوع الأوّل من زمن الصوم الكبير، اجتمعنا أنا ويوسف عساف مع بعض الأصدقاء وقدامى الشبيبة الطالبة المسيحية في صور لنراجع تحضيرات الأسبوع العظيم لهذه السنة. وقبل أن نبدأ، خالجني شعور غريب فقلت له أمام الجميع: "يا يوسف، دخيلك بلاها هالفترة خدمة الصليب الأحمر… عندك أولاد صغار وقلبي مش مطمئن عليك، والظروف يمكن تكون أصعب هيدي المرّة".
ابتسم بهدوء ونظر إليّ وقال: "لا تعتل همّ أبونا… هالخدمة واجب عليّي. صرلي سنين بالصليب الأحمر وصارت جزء من حياتي. ما بعرف عبّرلك قدّي بحبها، لأنها مليانة حب وعطاء وإنسانية… كلها ليلة بالاسبوع وبرجع عل بيت... وبالنهاية الله الحامي".

باركته تلك الليلة على هذه الروح، وصلّيت أن يحفظه الرب سالماً من كل شرّ، وبقينا على تواصل وكان يُرسل لي رسائل اطمئنان من وقتٍ لآخر وأنه مستعد للمساعدة خاصة عندما تدهور الوضع في الجنوب.
لكن حبّه للعطاء في الصليب الأحمر قاده إلى أقصى العطاء: أن يبذل حياته وهو يخدم الإنسان المجروح في ليلة 10 أذار 2026.
كنّا نستعدّ للأسبوع العظيم، سبقنا يوسف بطريقة لم نكن نتخيّلها. كنّا نتحضّر لعيش زمن الصوم وسرّ القيامة من منظور ليتورجي - احتفالي، أمّا هو فقد دخل إليه بحياته نفسها، إذ سار في طريق العطاء حتى النهاية.
كثيرون، وخصوصاً من الشبيبة، طرحوا عليّ هذا السؤال اليوم بعد انتهاء مراسم الدفن والجناز في صور: أين الله وسط هذا الظلم والشرّ؟
ربما اليوم، وفي حالتنا هذه، الجواب لا يُقال بالكلمات بل يُرى في إنسانٍ مؤمن ملتزم يركض نحو الجريح بدل أن يهرب من الخطر، يختار أن يُعطي حتى النهاية، لكي يَظهر نور محبة الله للانسان في وسط هذه الظلمة.
يقول الرب يسوع: "ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه" (يو 15:13).
بهذا المعنى، لم تكن حياة يوسف مجرد خدمة إنسانية، بل صارت شهادة حيّة لمحبّة المسيح.
أتذكّر هنا قول القديسة تريزا دي كالكوتا: "أعطِ حتى يوجع العطاء".
أما أنت يا يوسف… فعطاؤك لم يوجِعُك فقط، بل أَوجَع قلوبَنا جميعاً.
لكننا نُؤمن أن المحبّة التي تعيش البَذل لا تنتهي بالموت، بل تعبر مع المسيح يسوع إلى الحياة الأبدية.
نبض