لا مساومات في قضايا التعليم في عصر الإنترنت

منبر 12-03-2026 | 11:14

لا مساومات في قضايا التعليم في عصر الإنترنت

في تسعينيات القرن الماضي شاء زملائي في الجامعة اللبنانية أن يولوني ثقتهم بانتخابي في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية المتجددة بعد التفريع لثلاث دورات متتالية. وكان على هذه الهيئة مهمات شبه تأسيسية يتقدمها وقف هجرة الأساتذة وإعادة الحياة الأكاديمية التي ميزت الجامعة اللبنانية قبل الحرب.
لا مساومات في قضايا التعليم في عصر الإنترنت
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

طلال خوجة

 

 

 

في تسعينيات القرن الماضي شاء زملائي في الجامعة اللبنانية أن يولوني ثقتهم بانتخابي في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية المتجددة بعد التفريع لثلاث دورات متتالية. وكان على هذه الهيئة مهمات شبه تأسيسية يتقدمها وقف هجرة الأساتذة وإعادة الحياة الأكاديمية التي ميزت الجامعة اللبنانية قبل الحرب.
تشكلت الهيئة من خليط متنوع ومتعدد من أساتذة، لطالما ساهموا نضالياً كطلاب في تعزيز الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي عموماً، وكانوا يفخرون بأنهم نهضوا على رافعة هذا التعليم الذي كان يضاهي وينافس التعليم الخاص.
نجحت الهيئة في تحسين الرواتب وفي استعادة بعض المجالس التمثيلية وتقدمت قي قضية المجمعات والأبنية الجامعية، كما حصلت على صندوق التعاضد الذي أرسى شبكة أمان صحي على الأساتذة وعائلاتهم بعد طول معاناة. ومعظم هؤلاء الأساتذة كان قد لعب دورا ملحوظا في الحراكات الديمقراطية في الستينيات والسبعينيات التي حصلت على اقرار الضمان الاجتماعي للعمال ولاحقا الضمان الصحي لطلاب الجامعة اللبنانية، فضلا عن منح التفوق ومنح الاختصاص إلى ارقى الجامعات في العالم المتقدم، كما شاركوا في المواجهات لإنشاء الكليات التطبيقية.
ساهمت هذه الانجازات في عودة الجامعة إلى المراتب المتقدمة في المسرح الأكاديمي، رغم المعوقات والحواجز والتداعيات التي سببتها التدخلات في بناها الإدارية والأكاديمية، سواء من القوى والأحزاب الطائفية، سواء من أجهزة الوصاية والهيمنة لنظام الإجرام الأسدي البائد.
لم تكن الهيئات التنفيذية ومن ورائها جمهور الأساتذة بلا أخطاء، خصوصاً في مقاربتها قضايا التفريع والتعاقد والتفرغ التي كانت تتأثر بواقع الانقسامات المذهبية والمناطقية والفئوية عموماً، فضلاً عن تغاضيها عن خرق قانون التفرغ الذي وصل أحياناً في ذروة تدهور الرواتب إلى التعليم في المدارس الخاصة، علما أن المسؤولية الإدارية تقع على عاتق السلطات وليس رابطة الأساتذة.
و للمفارقة فإنه كان من النادر أن يلتحق أولاد الأساتذة في جامعتهم اللبنانية رغم تميزها في ميادين كثيرة، وطبعاً من الأندر أن يلتحقوا بالتعليم الرسمي الذي تدهور بعد صعود مذهل خصوصاً على المستوى الثانوي، وهو ما كان غالباً ينسحب على أولاد المعلمين في القطاع التربوي الرسمي.
طبعا حرية التعليم الخاص بكافة مراحله مضمونة في الدستور ولها أطرها وقوانينها. ولطالما شكل الكثير من مؤسسات التعليم غنى وميزات أساسية لبلد الأرز في هذا الشرق القلق. علما أن المدارس والجامعات الخاصة شهدت طفرات وتجاوزات فئوية ومذهبية وتجارية، أخرجت الكثير منها من سياقاتها التربوية والأكاديمية والوطنية، ووضعتها أحيانا في خدمة إيديولوجيا ومصالح غير وطنية.
للأساتذة والقضاة والمعلمين وموظفي القطاع العام عموماً، كما لسائر اللبنانيين حق اختيار المؤسسة التعليمية التي يرونها مناسبة لأبنائهم، ولكن منح التعليم يجب أن تتوازن وتتوحد في كل قطاع، بمعنى أن يتحمل كل مواطن مسؤولية قراره.
هذا الكلام الذي قلناه قبل الانهيار الاقتصادي قد يبدو الآن هذياناً بالنظر إلى واقع الرواتب التي وإن تحسنت مؤخراً، فإنها تبقى قاصرة عن تكاليف المعيشة الكريمة. وخابية التعليم الرسمي عموماً، ومعه أجيال كاملة من الطبقات الفقيرة والمعدمة التي باتت تتغذى من الجهل والعوز، لن تسندها بحصة صغيرة.
ما نحاول الإضاءة عليه هو أنه في هذا البلد المعطوب بات كل يغني على ليلاه والأعطاب منتشرة عمودياً وأفقياً.
ان مقاربة زيادة الرواتب الأخيرة وما أحاط بها من جولات وصولات وإضرابات ورشوات تظهر ذلك، دعك من فيض التباكي على الضرائب التي تذكرنا بقول مأثور لكمال جنبلاط عن اقتصاد التنكة التي لا يعرف الكثير من المتباكين سعرها أصلاً.
لا أريد التبخير لحكومة نواف سلام رغم أنها سجلت بعض الاختراقات وأنجزت بعض الترميمات في جدار الدولة الرخوة التي تزيدها عبثية وتبعية الحزب المدجج ارتخاء. فالحكومة تسبح في مياه آسنة تطفو عليها محاصصات وتسويات ومزايدات، كما يحصل على سبيل المثال في موضوع بالغ الأهمية كتفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية التي مازال يشدني إليها الكثير من المواضيع ومنها استكمال المدينة الجامعية في المون ميشال/طرابلس.
ومع انني اعتقد أن هذه الحكومة غير قادرة على انجاز إصلاحات في العمق الإداري والتربوي والأكاديمي، إلا أنه يجب أن نشد العزم جميعاً بشتى السبل المتاحة لمنع اعتبار الجامعة اللبنانية العريقة جامعة للفقراء واعتبار التعليم الرسمي ملاذاً للمعدمين. فلا يجوز المساومة في ميادين التربية والتعليم، خصوصاً في عصر انفجار المعلوماتية وسيطرة الخوارزميات.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.
ايران 3/21/2026 8:30:00 AM
أشارت الصحيفة إلى أن أحد الصاروخين تعطل في أثناء الانطلاق...
اسرائيليات 3/21/2026 7:03:00 PM
صاروخ إيراني يضرب ديمونا: إصابات وأضرار ومخاوف من انهيار مبنى