هل فاجأت الحرب الجميع؟

هل فاجأت الحرب الجميع؟
صورة مأخوذة من فيديو وزعه الجيش الإسرائيلي عن ضربة على إيران (أ ف ب)
Smaller Bigger

حسن درغام (*)

عندما ألقت الولايات المتحدة بثقلها العسكري الأقصى في مياه الخليج، قرأ معظم المراقبين المشهد بوصفه تصعيدًا محسوبًا. تقاطعت التحليلات عند فرضية واحدة: أن الأمر لا يتجاوز رسالة ردع يجيدها الرئيس دونالد ترامب لإجبار خصومه على التراجع، ودفع النظام في طهران إلى القبول بالشروط الأميركية، من خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى تقليص مدى الصواريخ الباليستية ووقف الدعم لحلفائه في الإقليم.

لكن مسار جنيف لم يسر في هذا الاتجاه. انتهت المفاوضات من دون اختراق واضح، وخرج كل من كوشنير وويتكوف معبّرين عن "خيبة أمل" من المقترح الإيراني، في إشارة إلى أن المسار الدبلوماسي بلغ حدوده القصوى.

عند هذه النقطة تغيّرت المعادلة.
حمّل الرئيس الأميركي إيران مسؤولية فشل المفاوضات، مستعيدًا سجلًّا طويلًا من المواجهة بين البلدين، من أزمة الرهائن في طهران إلى استهداف المصالح الأميركية في لبنان والعراق، وصولًا إلى اتهامها بدعم قوى مسلحة تهدد أمن الخليج. بالتزامن مع هذا الخطاب التصعيدي، بدأت العملية العسكرية التي استهدفت مراكز حساسة داخل طهران، في ضربة بدت أوسع من مجرد رسالة عسكرية محدودة.

استفاقت المنطقة على واقع جديد.

جاء الرد الإيراني مرتبكًا ومندفعًا في آنٍ معًا. الصواريخ التي انطلقت لم تتجه فقط نحو إسرائيل، بل طالت دولًا خليجية كانت تحاول طوال السنوات الماضية الحفاظ على قدر من الحياد في الصراع بين طهران وواشنطن. هنا تحديدًا تبدّل المشهد.

الحياد، إذا تعرّض للاستهداف، لا يبقى حيادًا.

هذا التطور من شأنه أن يعيد رسم علاقة دول الخليج بإيران. فالدول التي سعت إلى التهدئة قد تجد نفسها مضطرة إلى اصطفاف أكثر صرامة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحصار السياسي والاقتصادي على طهران، إذا تمكن النظام من تجاوز هذه المواجهة.

وسط هذا الدخان الكثيف، يبدو من المبكر رسم خريطة نهائية للشرق الأوسط. لكن المؤكد أن ما جرى تجاوز كونه جولة عسكرية عابرة. فالتوازنات التي حكمت خطوط الاشتباك من غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، تبدو اليوم أقل صلابة مما كانت عليه.

الرهان الطويل على محور يمتد من طهران إلى ساحات عربية عدة، مستندًا إلى خطاب عقائدي وقدرات عسكرية متراكمة، يواجه اختبارًا قاسيًا. التطورات المتلاحقة — في غزة وسوريا ولبنان — كشفت أن عناصر القوة تلك لم تكن بمعزل عن هشاشة داخلية، ولا عن فجوة تكنولوجية واستخباراتية تتسع مع الوقت.

من ظنّ أن الحرب ستبقى محصورة ضمن حدود مدروسة، اكتشف أنها قابلة لتجاوز تلك الحدود سريعًا. دخلت أطراف عديدة المواجهة بثقة، لكنها وجدت نفسها أمام كلفة أعلى مما توقعت.
أما لبنان، فليس خارج هذا التحول، بل يقف في قلبه.

البلد الذي أنهكته أزماته الاقتصادية والمؤسساتية يجد نفسه مرة أخرى أمام ارتدادات صراع أكبر منه. المرحلة المقبلة قد تفرض عليه إعادة التفكير في موقعه ودوره، وفي طبيعة توازناته الداخلية.

ستار مرحلة إقليمية يُطوى تدريجيًا. والمكابرة لن تغيّر هذه الحقيقة. ما يحتاجه لبنان اليوم هو العودة إلى المشتركات بين أبنائه، وصياغة عقد اجتماعي جديد يفضي إلى إصلاحات حقيقية داخل نظام الحكم، بعيدًا عن سياسات التفرد أو الارتهان لمحاور خارجية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهانات الإقليمية، مهما بدت واعدة، لا تُغني عن بناء دولة قادرة من الداخل. والتدخلات الخارجية، أيًّا كان مصدرها، لم تمنح لبنان استقرارًا دائمًا، بل عمّقت انقساماته.

الحرب قد لا تكون نهاية مرحلة فقط، بل بداية مساءلة واسعة للحسابات التي سبقتها. والسؤال اليوم لم يعد من انتصر عسكريًا، بل من يستطيع أن يتكيّف مع التحول الجديد قبل أن يُفرض عليه.

(*) مهندس وكاتب سياسي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
ايران 3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان