الخطأ الطبي ومسؤولية الطبيب وعبء الإثبات

منبر 25-02-2026 | 13:38

الخطأ الطبي ومسؤولية الطبيب وعبء الإثبات

إن مهنة الطب هي رسالة موضوعها المحافظة على صحة الإنسان )المادة 2 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994). 
الخطأ الطبي ومسؤولية الطبيب وعبء الإثبات
تعبيرية
Smaller Bigger

المحامي جوزيف فرح

 

 

 

إن مهنة الطب هي رسالة موضوعها المحافظة على صحة الإنسان )المادة 2 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994). 
وتشكل النصوص المصدر الأساسي لـ"القانون الطبي"[]، ولا يقتصر التشريع كمصدر للقانون الطبي على القوانين الخاصة بتنظيم مهنة الطب فحسب، بل يشمل أيضًا القانون المدني لا سيما في ما يتعلق بمسؤولية الطبيب وتحديد التعويض المناسب المترتّب عليها (المواد 121 وما يليها من قانون الموجبات والعقود) وكذلك قانون العقوبات لجهة العقوبات التي قد تفرض على الطبيب في حال ارتكابه جرمًا أثناء ممارسة مهنته، ناهيك عن اجتهاد المحاكم والفقه. 
ماذا عن الخطأ الطبي والنظام القانوني لمسؤولية الطبيب؟
إن الخطأ الطبي هو تصرّف أو امتناع أو تقدير يصدر عن الطبيب أثناء تقديمه الرعاية الصحية، ويكون مخالفًا للأصول العلمية أو المهنية المستقرة، ويترتب عليه ضرر للمريض. وقد أرسى الاجتهاد الفرنسي وجود المسؤولية الطبية ومفهومها للمرة الأولى عام 1835. 
وتنقسم مسؤولية الطبيب عن خطئه إلى مدنية وجزائية. 
إن شروط انعقاد مسؤولية الطبيب المدنية هي وجود عقد صحيح بينه وبين المريض وأن يكون خطأ الطبيب ناتجاً عن عدم تنفيذ التزام ناشئ عن عقد العلاج وأن يكون المدعي صاحب حق في الاستناد إلى العقد. 
أما أركان هذه المسؤولية فهي الفعل الضار، أي خطأ الطبيب الشخصي، والضرر والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.

أما مسؤولية الطبيب الجزائية، ولغياب النص في القانون اللبناني، فتنبع من الالتزام القانوني المتضمن تحميل الطبيب الجزاء أو العقاب نتيجة إتيانه فعلاً أو امتناعه عن فعل يشكل مخالفة للقواعد والأحكام التي نصت عليها التشريعات الجزائية أو الطبية. ولكي تقوم المسؤولية الجزائية يجب توفر ثلاثة عناصر هي وجود خطأ غير مقصود ووجود ضرر ووجود علاقة سببية أيضاً بين الخطأ والضرر بالإضافة إلى عنصرية الإرادة والتمييز.
عبء الإثبات
يمكن لمسؤولية الطبيب أن لا تنعقد رغم وقوع الضرر للمريض إذا لم يثبت تقصير ما أو إهمال من قبله، فالحصول على تعويض مرتبط قانوناً بضرورة وجود خطأ طبي والقدرة على إثباته.
ويقع عبء الإثبات على من ادعى الخطأ (المادة 132 من قانون أصول المحاكمات المدنية) والخطأ الطبي واقعة يمكن إثباتها بكافة طرق الإثبات ليتحقق القاضي بعدها من مدى انطباق وصف الخطأ على الوقائع التي ساقها المريض بوجه الطبيب.
إلا أنه بالرغم من ذلك فإن الإثبات يشكل عبئًا كبيرًا وأمرًا شبه مستعص على عاتق المريض، وفي الكثير من الحالات إقامة الدليل على وقوع خطأ طبي أمر صعب بالنسبة للمريض، الذي هو الحلقة الأضعف في العلاقة التعاقدية مع الطبيب، لا سيما في مجال الأخطاء الطبية ذات الطبيعة الفنية التي تشكل أكثرية الأخطاء الطبية.
ولأن كان للقاضي وحده تقدير الخطأ الطبي الفني المتنوع الأوجه بالرجوع إلى الأصول الفنية المستقرة في ميدان الطب، فإنه عادة ما تتم الاستعانة بخبير محلف من أهل المهنة أو العودة إلى تقرير لجنة الأخطاء الطبية في نقابة الأطباء، التي غالباً ما تحابي الطبيب المدعى عليه من باب "التضامن المهني" وصونًا لـ"سمعة النقابة" المنتسب إليها و"المحافظة على المستقبل المهني للطبيب المخطئ"؛ فغالباً ما تؤول نتائج لجنة الأخطاء الطبية إلى عدم وجود خطأ، بحجة أن الطبيب المخطئ اعتمد سلوك "طبيب نموذجي" وبذل في معالجة مريضه العناية اليقظة وراعى القواعد الطبية الثابتة. 
ويعتمد القاضي الخبرة في معظم الأحيان لأنه غريب عن القواعد الفنية والأصول العلمية للطب، وهنا تكمن المصيبة الكبرى بالنسبة للمريض المتضرر. 
وإذا كان الاجتهاد والفقه في لبنان اعتمدا المعيار الموضوعي لتقدير ارتكاب الخطأ الطبي وذلك عبر اعتماد سلوك "طبيب نموذجي"، فإنه يبقى للخبرة في هذا الإطار الكلمة الفصل في تقدير القاضي لخطأ الطبيب.
دعوة لتطوير قواعد الإثبات حرصًا على حق المريض
بناء عليه وفي ضوء التجربة المهنية والشخصية، أقترح للمزيد من العدالة وإحقاق الحق أن يصار إلى تعديل قانون الآداب الطبية رقم 288/1994 عبر اعتماد لجنة محلفين إلى جانب لجنة الأخطاء الطبية في نقابة الأطباء. 
كما أدعو المحاكم للتوسع وهي تنظر بالأخطاء الطبية في مفهوم موجب النتيجة وترتيب المسؤولية الطبية على أساسه، لأن قسمًا كبيرًا لا يستهان به من الأعمال الطبية، سواء تعلقت بالموجبات الطبية الإنسانية أو بالموجبات الطبية الفنية، يتعلق بموجبات نتيجة وعنصر الاحتمال فيها ضئيل؛ وهذا كي لا أقول بضرورة اعتماد فكرتي الخطأ الاحتمالي الذي يُستنتج من مجرد وقوع الضرر، والمسؤولية دون خطأ المعمول بها في فرنسا منذ العام 1990 في مجال المرافق الصحية العامة، واللتين نتركهما للمستقبل القريب، لعلّ الذهنيات تتطور وتتسع الآفاق في نظرة المجتمع المهني الطبي للأخطاء الطبية فيتطور معها الاجتهاد والفقه والقانون.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/2/2026 10:43:00 AM
نبأ منسوب إلى وكالة "رويترز"، وتصريحات مزعومة للرئيس الروسي. و"النّهار" تقصت صحّتها. 
النهار تتحقق 3/3/2026 12:45:00 PM
بصفة "عاجل"، ينتشر فيديو لرئيس الجمهورية اللبنانية، متوجهاً فيه الى حزب الله.
ايران 3/3/2026 6:49:00 PM
تقارير إيرانية تنفي مقتل مجتبى خامنئي وتؤكد أنه بصحة جيدة