"إسرائيليّ لا غشّ فيه"؟!
الاب ايلي قنبر
1-"إن غفرتم للناس زلاّتهم"
يدخل المسيحيّون مجدَّداً الصوم العابِر إلى فصح الربّ يسوع المسيح، ولكن لِمَ، وكيف؟
كما هو مُتَداول، يركّز كثيرون على الانقطاع عن المأكل والمشرب؛ وبعضهم على الإماتات إرضاءً للربّ. والبعض يتحدّث عن الشيطان ودوره في "صيام" يسوع قبل انطلاقه في الرسالة لإعلان الملكوت والعمل على تحقيقه "كما في السماء كذلك على الأرض".
ما لنا ولهم، فهُم أضاعوا البوصَلة. لذا، نقتفي أثر يسوع الحاسم في توجّهه: "طعامي أن أعمل مشيئة مَن أرسلني، وأُتمِّم عمله". مشيئة الآب أن "جميع الناس يَخلُصون، وإلى معرفة الحقّ يبلُغون"، وهو "يعمل حتّى الآن (ويسوع) يعمل أيضاً" من أجل أن "تكون لنا الحياة بوَفرة". وشدّد الناصريّ على أن "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمةٍ تخرج من فمِ الله". فكلمة الله هي الحياة. وقبل حديثه عن الخيار الشخصيّ للصيام ببشاشة وبرائحة الفرح العابق، رفع في وجهنا ورقة الغفران كما يفعل الحكَم في مباريات كرة القدم: "إِن غَفَرتُم لِلنّاسِ زَلاَّتِهِم". الأمر الذي نطلبه في صلاة النوم الكبرى مساء كلّ يوم، وهو بوصَلتنا كما شدّد يسوع:"حَيثُ يَكونُ كَنـزُكُم، هُناكَ يَكونُ قَلبُكُم أَيضًا". "هُوَ فين، وإحنا فين"؟
في مسيره، خرج يسوع إلى "جليل الأُمم" ليَدعونا إلى "الخروج" الدائم من القوقعة وتجاوز الأنا إلى رحاب "الحياة الوافرة للجميع" ومع الجميع.
2-"أَنتَ هُوَ مَلِكُ إِسرائيل"
ترجمةً للكلام أعلاه، إليكم قصّة مشروع الـ "12 جاراً" الذي أطلقه مرسيل لابرون قبل سنوات في كندا بعد أن باع شركته بـ 300 مليون دولار. هذا المشروع أتاح لـ99 شخصاً أن يجد كلّ منهم لنفسه مأوىً شخصيّاً وفرصة عمل مع راتب يسمح له بالعيش مرفوع الرأس. ولاحقاً نال المشروع دعماً حكوميّاً قيمته 12 مليون دولار لتشمل التجربة عدداً أكبر من الأشخاص ولضمان ديمومتها. أمّا فلسفة المشروع فكانت: "لا أُريد أن أُعطيهم سمكة ولا أن أُعلّمهم الصيد، بل أن أمنحهم بحيرة يصطادون منها بكرامة طوال حياتهم". فمتى يمتلك بعض المتموِّلين الشجاعة لبناء قرية الـ "12 جاراً" في زوايا كوكبنا التي تحتاجه؟

في صومنا وفي كلّ وقت، يسوع هو فصحنا إلى الآب وإلى الإنسان كما أعلن فيلبّس لِنَثنائيل: "إِنَّ ٱلَّذي كَتَبَ عَنهُ موسى في ٱلنّاموسِ وكذلك ٱلأَنبِياءُ قَد وَجَدناهُ، وَهُوَ يَسوعُ بنُ يوسُفَ ٱلَّذي مِنَ ٱلنّاصِرَة". مُشتَهى الأجيال وقِبلتهم هو يسوع، "مسيحُ الربّ". سرّ لُقياه يكمن في العلاقة الشخصيّة الحميمة معه. هو نافذتنا إلى الآخَر، لنكون سبب فرحه وفرح الآب السمويّ في آن واحد. متذكِّرين بلا توقّف أنّنا صانعو فرح الآب، وهو فرحنا. لكن في الواقع، نحن نشبه بني إسرائيل الذين قرَّعهم أشعيا على لسان الربّ ونُكرِّر مع أجيالهم المعاصرة ما فعلوه بالأمس ولم يتورّعوا عن القيام به من دون توقّف أو خجل: "ها إنّكم للخصومة والنزاع تصومون، ولتِضربوا بلكمة الشرّ". في حين يختار المؤمن(ة) "حلّ قيود الشرّ، فكّ عقَد النّير، وإطلاق المسحوقين أحراراً، وقطع كلّ نير"، إلى كسر خبزه للجائع، وإدخال "المساكين التائهين إلى بيته وكسوة العريان وعدم التغاضي عن لحمه أو تفادي"الإيماء بالإصبع وكلام الإثم" الذي لا ننفكّ نُطلقه حيال شركائنا في الوطن خصوصاً.
لكن كيف ينظر الربّ إلينا؟
3-"رأيتك تحت التينة"
في الماضي، كان المؤمن يجلس تحت التينة لتأمّل كلام الربّ تمهيداً لعيشه. وهذا ما كان الـ"إسرائيليّ الذي لا غشّ فيه" - نثنائيل - يفعله حين بادره فيليبّوس داعياً إيّاه إلى مجالسة "كلمة الله" الذي جاء "إلى خاصّته". فهل يُتقن كلّ "مؤمن" قراءة النصوص الدينيّة؟
مايك هاكابي "الإنجيلي الصهيونيّ" يقرأ إيديُولوجيّاً - ويبصم له بعض المسيحيّين والمسلمين اللّبنانيّين - ويرى الكَيان الغاصب لفلسطين "ككيان مرتبط بخطّة إلَهيّة يجب دعمها بصفة تكليف دينيّ". نعم، "دعم إسرائيل، يقول، ليس خياراً سياسيّاً أو استراتيجيّاً، بل هو واجب دينيّ ينبع من قراءة حرفيّة للكتاب المقدّس"."وفي خُطبه الإعلامية والسياسية، يستخدم هاكابي مصطلحات مثل "الصك" أو "السند القانوني" ليعبّر عن أن الله أعطى الشعب اليهودي "صك ملكية أبدية" لهذه الأرض".
يسوع أكّد لنا أنّ نظرته إلينا يطبعها أبداً الحبّ والتقدير والتشجيع والتحفيز، لأنّه يعلم أنّ ما "صنعه" الله في خلقه "حسن جدّاً". فهل نبادله الحبّ والتقدير والشكر على حسن ظنّه بنا؟
نبض