ويعمّ الصمت… الإدارة
حنين الحسنية - باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات
هل يسود الصمت الإدارة العامة لأن الخلل غير مرئي، أم لأن رؤيته لا تُقال؟ هل هو نقص في المعرفة، أم إدراك مبكر أن الكلام لم يعد خياراً آمناً؟ في بعض بيئات العمل، يتعلّم الموظف سريعاً أن الملاحظة قد تُؤوَّل اعتراضاً، وأن السؤال قد يُفسَّر تشكيكاً، وأن الصمت هو المسار الأقل تكلفة والأكثر أماناً.
في هذا السياق، لا يُعتبر الصمت غياباً للرأي، إنّما وسيلة حماية. ومع مرور الوقت، يتحوّل إلى سلوك جماعي مستتر، يُفرض بناءً عليه ما سوف يُقال أو يُعلن عنه، وما يُترك مبهماً.
في العلن، تبدو الإدارة فاعلة؛ فالقرارات تُتخذ بناءً على اجتماعات تُعقد، والتقارير تُرفع. لكن وراء هذه العملية المنظّمة، هناك جزء غير مرئي تُعالج فيه الأمور بحذر، منعاً للإنزلاق في نقاش بين ما هو مخفي وما هو معلن.
في علم الإدارة، تُعرف هذه الحالة بما تُسمّى "السلامة النفسية"، وهي تعبّر عن شعور الموظف بالأمان عند التعبير عن رأيه، وطرح الأسئلة، أو الإشارة إلى خطأ ما، من دون أن يتحوّل ذلك إلى خوف أو تهديد شخصي أو وظيفي. فعندما تغيب السلامة النفسية، يصبح السكوت أو التغافل سلوكاً عقلانياً، لا ضعفاً.
هذه الحالة ليست فجائية في الإدارة العامة، بل هي نتيجة تراكم تجارب صغيرة ومتكرّرة: ملاحظة لم يُرحَّب بها، مبادرة ماتت قبل أن تُفهم، رأي تحمّل الموظف تبعاته. وبعد مواقف عدة، يصبح الموظف أكثر يقيناً أن الاحتفاظ بالرأي هو برّ الأمان، وأن التكيّف مع الواقع أقل تكلفة من المواجهة.
إن المشكلة هنا ليست في الأشخاص، بل في بيئة العمل. فعندما يكون الصمت أكثر راحة من التعبير الصريح، وعندما يُحمَّل الفرد الخطأ ويُلقى اللوم عليه، ولا تكون هناك مساحة للتعلّم من الأخطاء، يتراجع الكلام خطوة إلى الخلف في كل مرة. فالتجربة كفيلة تعليم الموظفين الصمت، وليس درساً يُدرَّس.
تدريجاً، ينعكس هذا الصمت على القرارات وتأثيرها. فالقرارات التي تُتخذ تكون سطحية، من دون نقاشات عميقة، ولا تُصحَّح الأخطاء، وكل ما كان يمكن تداركه من تفاصيل صغيرة في مراحل مبكرة يُتجاهل. والأخطر أنه عندما يسود هذا النوع من الجو العام، يصبح الصمت لا القلق جزءاً من الروتين الإداري.
الإدارة العامة دائماً محور اهتمام، ومع غياب السلامة النفسية تبرز مشكلات عديدة، إذ يؤثّر ذلك على جودة الخدمة العامة وسلامتها، ما ينعكس بدوره على ثقة المواطن. وهذا كفيل إضعاف قدرة مؤسسات الدولة على التعلّم من أخطائها. فالإدارة التي يعمّها الصمت تجد نفسها داخل الأزمة بدل توقّعها.
المفارقة أن الموظف حين يُستدرج إلى التزام الصمت، يفعله بدافع الحرص، لا بدافع الجهل أو التجاهل. لكن حين يصبح الصمت التزاماً، تفقد المؤسسة بنيتها الإدارية والتنفيذية، فتغدو قراراتها هشّة بلا قاعدة.
في النهاية، قوة الإدارة العامة ليست بعدد قراراتها، إنما بنوعيتها، وبقدرتها على سماع ما يُحكى بين أروقتها. فحين يشعر الموظف بالأمان من خلال السكوت، يكون ذلك مؤشراً واضحاً على أن المشكلة أعمق وأصعب من أن تُعالَج.
نبض