وثائق إبستين: عندما تختلط الفضيحة بالمغزى
صبري الرابحي- تونس
عندما أمكن لي كمواطن عربي أن أتصفح بحرية بريد رجل الأعمال والمال الأميركي جيفري إبستين، والاطلاع على صوره ومراسلاته وحتى خارطة تنقلاته، عندها كان لزاماً عليّ وعلى المتابعين عبر العالم تجاوز مرحلتي الصدمة والطفرة الفضائحية لهذه البيانات.
ليست مجرد سهرات وحفلات خاصة للمجون والجنس بقدر ما كانت لقاءات سياسية، الأرجح أن مستقبلنا كعرب قد صيغ لسنوات فوق إحدى طاولاته أو حتى مخادعه المتعددة.
لم تكن جزيرة إبستين مجرد تشكل جيولوجي فوق البحر بقدر ما كانت تشكلاً لجزيرة عائمة للمال والأعمال والسياسة، فوق رمال متحركة يمسك إبستين ببراعة بتوازناتها.

الإفراج عن المعطيات:
شكل إقدام وزارة العدل الأميركية منتصف الأسبوع الفائت الإفراج عن وثائق سرية تخص ملف رجل الأعمال والمال جيفري إبستين حدثاً مهماً في العالم، لما يحوم حول الملف برمته من شكوك وتخمينات عرّتها الصحافة الاستقصائية، وأحالته على أروقة المحاكم لتختبر ميزان العدالة في أحد أكثر الدول التي ترفض التشكيك في نزاهة عدالتها.
ملف إبستين كانت قد تداولته الأوساط الإعلامية منذ سنة 2005 واتخذ مساراً قضائياً طويلاً انتهى بإدانته وسجنه سنة 2019 بتهم الاتجار الجنسي بالقصّر، وعاد الى الساحة بعد إصدار الكونغرس قانوناً يقضي بالإفراج عن وثائق الملف وإلزام وزارة العدل نشر ملايين الوثائق التي تخصه والتي شملت في جزء واسع منها معطيات تهم سياسيين ورجال أعمال ووجوهاً معروفة في الساحة الفنية، والتي تكشف الصور والمحادثات المنشورة رسمياً تفاصيل محيّرة حول علاقات هذه الأطراف وبخاصة تأثيرها المحتمل على القرار داخل البيت الأبيض ومنه على العالم.
لتصبح جزيرة إبستين أكثر من مجرد مكان خاص للترفيه وإنما لتواطؤ مفضوح في جرائم جنسية وتقاطعات مريبة في علاقة بالسياسة والتأثير في القرارات، وبخاصة الشكوك الواسعة حيال قدرة إبستين على ابتزاز زواره الذين لم تعرّ الوثائق ممارساتهم فحسب بل تجاوزت ذلك لتفضح انخراطهم في الفضيحة الأكبر منذ فضيحة مونيكا لوينسكي.
حرية النفاذ إلى المعلومة:
تعاملت المؤسسات في الولايات المتحدة الأميركية مع الموضوع على أنه ملف للرأي العام، يستوجب النفاذ إلى معطياته وتفاصيله لدرء ما يحوم حوله من إعطاء فرصة للإفلات من العقاب أو الرشوة السياسية على أساس أهمية المتداخلين فيه.
لا ينفي إقدام وزارة العدل بإيعاز من الكونغرس على نشر هذه الوثائق تحقق هدف مهم للديموقراطيين لإحراج الرئيس الجمهوري رونالد ترامب الوارد اسمه وصوره في مناسبات عدة في الجزيرة قبل توليه الرئاسة لأول مرة سنة 2016.
وبعيداً من الغايات السياسية للقرار وتأثيراتها المحتملة على القاعدة الانتخابية للجمهوريين ومن ورائهم الرئيس ترامب، كشف التعاطي مع هذه الوثائق بعداً آخر للعدالة من حيث عدم التسامح مع المذنبين وفي الوقت نفسه إطلاع الرأي العام وطمأنته الى العدالة الناجزة بأن
تعلن بوضوح أن حرية النفاذ إلى المعلومة مكفولة، وأن ليس لها ما تخفيه أو تمنعه من التداول رغم حساسية الملف وتأثيره المباشر على العالم، باعتباره لا يختزل تصرفات الأفراد بقدر ما يكشف مشاريع وصفقات سياسية ومساومات عدة لا يمكن النظر إليها من زاوية المعطى الفضائحي لهذه البيانات بقدر أهمية توقيتها، أطرافها وتأثيرها المحتمل على المستقبل السياسي لزعماء عدة، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب وإنما في العالم الذي أصبحت الجزيرة الشهيرة فيه مبعثاً لمتغيرات محتملة يصعب التكهن بها في ما يشبه التسونامي السياسي القادم من عرض المحيط.
تأثير الكشف عن المعطيات:
ظهرت هذه المعطيات في توقيت حساس للغاية وفي منعرج تاريخي بطله رئيس الولايات المتحدة، المنتشي بالتقدم الكبير في خطته للشرق الأوسط وتفاعله مع الملف الإيراني وبخاصة مشاريعه للسلام في العالم وفقاً لتوازنات لا يجيدها غيره.
هذه الوثائق أتت بعد أيام قليلة من الإعلان عن التوجه نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في غزة ودعوة الكيان الصهيوني إلى التزامه بعد أن أحرجته بيانات "حماس" المتتالية المؤكدة التزام بنود الاتفاق.
هذه الوثائق ظهرت أيضاً في توقيت بدأ ترامب فيه بالتراجع عن مخططه لشن ضربات عسكرية على إيران، في اعقاب أسابيع من التهديد والتعويل على الأوضاع الداخلية لإطاحة النظام الإيراني من دون جدوى، وتحوله إلى طاولة الديبلوماسية، واللقاء بين وزير خارجية إيران ومبعوثه الخاص الى المنطقة ستيف ويتكوف، مما ينبأ بإعادة إحياء المفاوضات حول الملف النووي الإيراني والعودة بالملف إلى ما قبل سنة 2015، في قراءة مختلفة للسياق الحالي ولتقدم إيران بمشروعها النووي وبخاصة تهديدها المباشر لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وعلى رأسها أمن الكيان الصهيوني.
أحد أهم تأثيرات الكشف عن المعطيات في هذا التوقيت بالذات هو البحث عن المغزى منها وعن أطرافها وعن المستقبل السياسي لهم، مما اوجب المقارنة بينها وبين وثائق ويكيليكس التي أعقبتها تحولات مهمة في العالم بدءاً بالربيع العربي وصولاً إلى تشكل خارطة جديدة للتوازنات، من أجل نظام عالمي جديد نتابع باستمرار عمل الرئيس الأميركي على ملامحه منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل قرابة عام.
ويكيليكس ثم إبستين: المستقبل السياسي لكثيرين
قبل أشهر قليلة من إطلاق وثائق ويكيليكس، كان العالم يتهيأ لتغييرات جذرية متعلقة بإعادة رسم الخرائط السياسية وتغيير الزعامات التي تعتقد الولايات المتحدة أن دورها قد انتهى وأنها لم تعد صالحة للاستهلاك الداخلي والخارجي في علاقة بملفات مهمة منها الديموقراطية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وبخاصة قطع الطريق أمام تحالفات قادمة من الشرق ومشاريع المعسكر الاشتراكي في التسليح وفتح أسواق جديدة في العالم.
وثائق ويكيليكس عرّت هذه الزعامات وجعلتها في مواجهة مباشرة مع الجماهير وفرضت عليها المغادرة بأشكال عدة. بل جعلت من المعطيات المكشوفة للعلن وثائق متاحة للجميع تماماً مثلما تفعل اليوم مع وثائق إبستين من حيث أهميتها في الضغط.
ومثلما أوصلت وثائق ويكيليكس بعض الزعامات إلى المقاصل والمنافي وأنتجت بدائل جاهزة للحكم وتوجهاً مريباً للإدارة الأميركية في دعم الإسلام السياسي، فإن وثائق إبستين اليوم قد تتقاطع مع التحكم بخيوط اللعبة والتماشي نفسه معها.
قد تكون البدائل جاهزة وقد تكون غير معروفة ولكن من المؤكد أن اليوم التالي للفضيحة سيكشف المغزى منها، وبالتالي ليس هوساً أن تجري المقارنة بين الحدثين بقدر ما يستساغ أن تكون التقاطعات دروساً في التاريخ.
من بعد وثائق أبستين، من سيبقى ومن سيرحل، سنشاهده وندفع إليه دفعاً بعد أن استهلكنا كمّاً مهماً من المعطيات، تفترض منا انتظار ما بعدها.
نبض