لبنان: حين يتقدم الوطن على الدولة
المحامي جوزيف ف. فرح
قد يكون للإنسان وطن بلا دولة، وقد يعيش الإنسان في دولة لا يشعر أنها وطنه.
فالفرق بين الوطن والدولة مهم، ويتحول إلى فرق أساسي بدرجة خطرة جداً عندما يكون التباعد شاسعًا جداً بين الاثنين.
إن الوطن هو المكان الذي ننتمي إليه عاطفيًا وثقافيًا، وهو المكان الذي ترتبط فيه الهوية والتاريخ واللغة والذكريات والانتماء الوجداني، حتى لو لم يكن محدّدًا بدولة مستقلّة، فهو يعني الشعور قبل أن يعني النظام.
أما الدولة فهي كيان سياسي وقانوني، لها حدود معترف بها، وحكومة، وقوانين، ومؤسسات، وسيادة، وهي تقوم على التنظيم والإدارة والسلطة.
وفي خضم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بلبنان، يبرز سؤال يتردد في النقاش العام: هل لبنان وطن أم مجرّد دولة متعثّرة؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى "فلسفيًا"، لكنه في الواقع سؤال عملي يمسّ جوهر التجربة اللبنانية ومعنى الانتماء إليها.

لبنان وطن وإن اكتنف اللبنانيين شعورٌ وطني "مترهل"، يقتضي تقويته وشدّ أزره من خلال إبراز التاريخ والهوية الثقافية المشتركة والمتجذرة لأبنائه، على قاعدة أن لغة وذاكرة وعادات مشتركة تجمع أبناءه، ويرتبط الناس به رغم الأزمات والاختلافات، وعلى قاعدة أن كثيرين من اللبنانيين يشعرون بالانتماء الوطني حتى لو كانوا في اغتراب. لذلك، من الواضح أنه مهما كثرت الصعاب وتنوّعت، لبنان وطن يعيش في القلب، وقد تتعثر الدولة لكن الوطن يبقى حتى عندما تتعب الحياة فيه.
لكن الطامة الكبرى هي في الدولة كإطار سياسي وقانوني ينظم حياة اللبنانيين.
هنا تحديدًا تكمن المشكلة الأساسية، فالدولة اللبنانية تعاني منذ عقود ضعفًا في بنيتها وتآكل مؤسساتها وتراجع إمكانياتها عن تلبية أبسط مقومات حقوق مواطنيها.
هذا الخلل يدفع اللبنانيين إلى التمييز بين حبّهم للوطن وانتقادهم للدولة كإدارة وسلطة.
وتكمن خطورة هذا الواقع في تحوّل الوطن إلى فكرة رومانسية منفصلة عن الدولة. فالوطن لا يمكن أن يحيا طويلاً بلا دولة عادلة وقادرة، والدولة لا تستقيم بلا شعور وطني جامع؛ لذا بات ضروريًا إعادة وصل ما انقطع بين الاثنين.
إن إنقاذ الوطن يمرّ حكمًا بتقوية أركان الدولة ومؤسساتها وإعادة بنائها على قواعد عادلة وثابتة، لأن الأوطان لا تصان بالحب وحده.
وهنا أهمية دور الحكام في لبنان، إذا كان الهدف فعلاً تقوية الشعور الوطني، وبناء دولة حقيقية، لا مجرّد إدارة أزمات. يبدأ الدور من السلوك قبل النصوص، ومن القدرة قبل الكلام؛ وذلك عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن ودولته، وترسيخ مفهوم الدولة، وفرض سيادة القانون، واعتماد سياسات اقتصادية ومالية عادلة وخطاب وطني جامع يقوّي المؤسسات على حساب الزعامات، لأن الشعور الوطني لا يفرض بالقوة ولا بالشعارات بل بالأفعال الملموسة.
إن لبنان، وسط ما يُرسم له وللإقليم من مستقبل، أمام فرصة قد لا تتكرّر لإعادة بلورة دور ما له داخليًا وخارجيًا، وهو مدعو لأن يربح الرهان بإصرار على عدم الجمود الذي يعني التراجع، وبالعمل على وضع خطط تنفيذية لبناء الدولة بمؤسساتها كافة، وفق مراحل واضحة وعملية؛ فالبيدر واسع جداً وحقوله متفرعة، وتحتاج إلى الكثير الكثير، وسط الحاجة الماسة إلى دولة لبنانية فعلية قوية. وإلا فعلى الدنيا السلام!
نبض