الأمة كفعل لا كميراث: رينان وأتاتورك في اختبار التأسيس

منبر 30-01-2026 | 11:46

الأمة كفعل لا كميراث: رينان وأتاتورك في اختبار التأسيس

في لحظات الانهيار الكبرى، حين تسقط الإمبراطوريات وتنهار المرجعيات القديمة، لا يعود سؤال الأمة سؤال هوية موروثة، بل يتحوّل إلى فعل تأسيسي واعٍ: كيف يمكن لجماعة بشرية أن تعيد تعريف ذاتها، وأن تصوغ انتماءها خارج الدين، والسلالة، والأسطورة؟ 
الأمة كفعل لا كميراث: رينان وأتاتورك في اختبار التأسيس
مصطفى كمال اتاتورك (انترنت)
Smaller Bigger

الاب ريمون أبي تامر

 

أولًا: من الهوية الموروثة إلى الإرادة المؤسسة
في لحظات الانهيار الكبرى، حين تسقط الإمبراطوريات وتنهار المرجعيات القديمة، لا يعود سؤال الأمة سؤال هوية موروثة، بل يتحوّل إلى فعل تأسيسي واعٍ: كيف يمكن لجماعة بشرية أن تعيد تعريف ذاتها، وأن تصوغ انتماءها خارج الدين، والسلالة، والأسطورة؟ هنا بالضبط يلتقي المسار الفكري لإرنست رينان مع التجربة السياسية لمصطفى كمال أتاتورك، لا بوصفهما متشابهين في الأدوات أو السياقات، بل لأن كليهما ينتميان إلى أفق حداثي واحد يرى الأمة نتاج إرادة سياسية، لا كمعطى طبيعي أو قدر تاريخي.

أحدث إرنست رينان، في محاضرته الشهيرة عن الأمة، قطيعة مفهومية حاسمة مع التصورات الجوهرية للانتماء. فالأمة، في نظره، لا تُستمدّ من وحدة العِرق، ولا من استمرارية الدين، ولا حتى من اللغة وحدها، بل من رابطة أكثر هشاشة وعمقاً في آن واحد: إرادة العيش المشترك. هذه الإرادة ليست لحظة وجدانية عابرة، بل فعل سياسي متجدّد، يتطلّب وعياً جماعياً واستعداداً دائماً لتجديد الانتماء. بذلك، يُنزِل رينان الأمة من مجال الضرورة الطبيعية إلى أفق القرار الإنساني، بحيث تصبح الهوية فعلا يُمارَس، لا ميراثاً يُسلَّم.

ضمن هذا التصوّر، تحتل الذاكرة موقعاً مركزياً في بناء الأمة. لا ينظر رينان إلى الذاكرة بوصفها أرشيفاً شاملاً للماضي، بل باعتبارها بناءً انتقائياً يخدم الحاضر. فالأمة لا تقوم إلا بقدرتها على تنظيم علاقتها بتاريخها، عبر تذكّر ما يوحّدها وتجاوز ما يفتّتها. النسيان هنا ليس عيباً أخلاقياً ولا تزويراً للحقائق، بل شرط سياسي لبناء وحدة قابلة للاستمرار. هكذا تتحوّل الذاكرة من عبء إلى أداة، ومن سجلّ مقدّس إلى مادة سياسية.


ثانياً: الأمة كمشروع تأسيسي وحداثة الدولة
لا يبقى هذا الفهم الإرادي للأمة حبيس التنظير الفلسفي، بل يجد امتداده العملي في مشاريع تأسيسية نشأت من ركام الإمبراطوريات المنهارة. في هذا الإطار، يمكن قراءة تجربة أتاتورك بوصفها تجسيداً سياسياً لمنطق يرى الأمة كمشروع يُبنى، لا كاستمرارية تُستعاد. فبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، لم يكن التحدّي إعادة إنتاج الماضي، بل خلق لحظة تأسيس جديدة، يُعاد فيها صوغ الجماعة السياسية على أسس حديثة.

لم تُعامَل الأمة، في هذا السياق، كحقيقة جاهزة تنتظر الاكتشاف، بل ككيان سياسي يتطلّب فعلاً واعياً لإنتاجه. اللغة، والتعليم، والسردية التاريخية، لم تُترك لعفوية الزمن، بل أُدرجت ضمن مشروع بناء وعي قومي جديد. ليست المسألة هنا صراعاً مع الماضي، بقدر ما هي إعادة تنظيم لعلاقته بالحاضر، بحيث يصبح التاريخ عنصراً في التوحيد لا عائقاً أمامه.

ضمن هذا الأفق، تتقاطع الفلسفة الرينانية والممارسة الأتاتوركية باعتبار السياسة المجال الحاسم لتعريف الأمة. فالانتماء لا يستمد شرعيته من تعالٍ ميتافيزيقي، بل من قدرته على أن يتحوّل إلى علاقة سياسية منظَّمة. الدولة، في هذا السياق، لا تظهر كقوة نقيضة للأمة، بل كشرط حداثي لوجودها، باعتبارها الفضاء الذي تُترجم فيه الإرادة الجماعية إلى مؤسسات وقوانين ورموز جامعة.


ثالثًا: التأسيس بوصفه مخاطرة تاريخية
 لا تقوم المقاربة بين رينان وأتاتورك على مقارنة بين فيلسوف ورجل دولة، ولا على قياس تجربة سياسية على نص فلسفي، بل على قراءة مسار فكري واحد يتعامل مع الأمة بوصفها مشروعاً مفتوحاً، يتطلّب قراراً ووعياً واستعداداً لتحمّل تبعات التأسيس. فحين يعجز الماضي عن منح الشرعية، تصبح الإرادة السياسية الشكل الحديث للانتماء، ويغدو التأسيس فعلاً لا مفرّ منه.

في نهاية هذا المسار، لا تعود الأمة حقيقة جاهزة تُكتشف، ولا إرثًا يُسلَّم من جيل إلى جيل، بل تظهر بوصفها فعلاً سياسياً شجاعاً، يولد حين تُقرّر جماعة ما أن تقطع مع شرعياتها المستهلكة لتصنع لنفسها معنى جديداً للإنتماء. لقد أخرج رينان الأمة من قداستها، وحرّرها من أوهام الدم والدين واللغة المطلقة، ووضعها في حقل الإرادة المشتركة. وفي المسار نفسه، جاءت التجربة الكمالية لتؤكّد أن الأمم، في لحظات الانهيار، لا تُنقَذ بالحنين، بل بفعل تأسيسي يعيد تعريف الجماعة السياسية من جذورها.

تكشف هذه المقاربة أن الحداثة السياسية لا تبدأ حين تتخلّى الأمم عن ذاكرتها، بل حين ترفض أن تكون أسيرة لها. فالأمة ليست ما نرثه بلا سؤال، بل ما نقرّر أن نكونه رغم المخاطر. وبين رينان الذي نظّر للأمة كإرادة، وأتاتورك الذي حوّل الإرادة إلى مشروع دولة، يتجلّى سؤال واحد لا يفقد راهنيته: هل تملك الجماعات الشجاعة الكافية لتحمّل مسؤولية هويتها، حين تصبح الحرية عبئاً بقدر ما هي وعد؟

بهذا المعنى، لا تُختتم هذه القراءة بإجابة نهائية، بل بإعادة فتح سؤال التأسيس ذاته، سؤال الأمة حين تُنتزع من الأسطورة وتُلقى في قلب السياسة، حيث لا هوية بلا قرار، ولا انتماء بلا مخاطرة.

              
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/10/2026 11:45:00 AM
ينعقد مجلس النواب ظهر اليوم للنظر في التعديل الوزاري
شمال إفريقيا 2/10/2026 11:07:00 PM
يقول رئيس الهيئة العامة السورية للاجئين في مصر تيسير النجار، في حديث لـ"النهار": "أفادت التقارير التي بلغتنا بأن عمليات الترحيل تحدث بالفعل، ونسمع من إخوة لنا عمّا يحصل".
ايران 2/9/2026 10:36:00 PM
قطع بث كلمة بزشكيان يثير جدلاً ويكشف توتراً مكتوماً مع إعلام يتبع للمرشد
توصّل مكتب المفتش العام في وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي إلى استنتاجات مختلفة من اللقطات المصوّرة