انتعاش الاقتصاد اللبناني: تعافٍ حقيقي أو سراب؟
الياس نعيم
نشر البنك الدولي أخيرا تقريره الفصلي عن الوضع الاقتصادي في لبنان، بالتزامن مع النقاش حول المسار الاقتصادي للبلاد، والعناوين التي تحتفي بالنمو الاقتصادي هذا العام والإجراءات النقدية الجارية، بما في ذلك قانون الفجوة المالية المُرسل إلى البرلمان والنقاشات الدائرة حول الموازنة. والسؤال: هل هذا تعافٍ حقيقي أو مجرد انتعاش موقت؟
على صعيد النمو الاقتصادي، عدّل البنك الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان إلى 3.5 في المئة عام 2025، وبينما يبدو هذا إيجابياً ظاهرياً، فإن السياق مهمّ للغاية، بعد انكماش مدمر بنسبة 7 في المئة عام 2024 بسبب الحرب. وكان البنك الدولي قد توقع في البداية نمواً بنسبة 4.7 في المئة، لكن الصراع الإقليمي، وبخاصة حرب الـ12 يوماً في ذروة موسم السياحة في حزيران، أضرّا بصادرات لبنان السياحية الحيوية.
فعلى مدار 2025، أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في قطاع العقارات والبناء، بينما بقي الاستهلاك الخاص المحرك الرئيسي للنمو، مدعوماً بتحويلات اللبنانيين في الخارج وزيادة الدولرة في أجورالقطاع الخاص.
تحسن وضع المالية العامة عام 2025 من خلال زيادة تحصيل الإيرادات وتقييد الإنفاق، مع توقع توازن الموازنة وفقاً لمشروع قانون موازنة 2026. لكن التركيبة تكشف عن أنماط مقلقة. فمثل الموازنات السابقة يعتمد توليد الإيرادات في شكل كبير على الضرائب غير المباشرة التي تشكل 68.1 في المئة من إجمالي الإيرادات، بينما ضريبة القيمة المضافة وحدها تولد 6.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. في المقابل، يبقى الإنفاق الاستثماري منخفضاً على نحو مخيب عند 1.9 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، في استمرار لاتجاه واضح منذ 2001.
يشير البنك الدولي إلى أن مشروع الموازنة يفشل في تقديم رؤية اقتصادية متماسكة، فبينما يبدو متوازناً، يستثني ذلك خدمة الدين وتصحيح الأجور والإنفاق الاستثماري الفعلي. أمّا هيكل الإيرادات فيبقى رجعياً، إذ إنّ أكثر من 52 في المئة منها تأتي من ضرائب غير مباشرة تُثقل كاهل الفئات ذات الدخل المنخفض، في غياب شبه كامل للضرائب التصاعدية. ورغم التحسّن في تحصيل الضرائب، لا تزال السياسة المالية تعاني اختلالات بنيوية عميقة، فالإصلاحات الضريبية التصاعدية الحاسمة لم تُنفّذ بعد، ونتيجةً لذلك، تنحصر السياسة المالية في موازنة الحسابات على المدى القصير، بدلاً من بناء قاعدة إيرادات أكثر عدالة أو توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية.
في اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والتحويلات، يتوقع البنك الدولي أن يضيق عجز الحساب الجاري إلى 15.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، متحسناً من 22.2 في المئة عام 2024، معتمداً على التحويلات من الاغتراب المقدرة بـ26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتكشف صورة التجارة مشاكل هيكلية أعمق. ففي 2025، تجاوز العجز التجاري 16 مليار دولار، على الرغم من أن النظرية الاقتصادية تفترض أن انخفاض الأجور وتدهور العملة من شأنهما تعزيز تنافسية الصادرات، إلا أنّ هذا لم يتحقق نتيجة غياب الاستثمار في البنية التحتية، وانعدام سياسة صناعية وزراعية واضحة، إضافة إلى عدم وجود سياسات جمركية تحفيزية.
يُتوقع أن ينخفض التضخم إلى 15.2 في المئة عام 2025 ويصل إلى ما دون 10 في المئة في 2026 للمرة الأولى منذ 2019. أما على صعيد الإصلاح في القطاع المصرفي، فيتوقف ذلك على إقرار البرلمان قانون الفجوة المالية الذي وافقت عليه الحكومة في 26 كانون الأول/ ديسمبر، وسيثير هذا القانون نقاشات برلمانية كبيرة في الأشهر المقبلة.
يؤكد البنك الدولي أن أي خطة لمعالجة الخسائر يجب أن تتبع المعايير الدولية، وخصوصا مبدأ التسلسل الهرمي للدائنين الذي يتطلب شطب رأس مال المساهمين أولاً، مع حماية صغار المودعين الذين عانوا خسائر هائلة. يبقى القطاع المصرفي في حالة يرثى لها. فتَوقُف المصارف عن الإقراض، واستمرار الودائع في التراجع، يتركان المصارف متعثرة وغير قادرة على أداء وظيفتها الأساسية.
وبالعودة إلى السؤال الأول "هل هذا تعافٍ حقيقي أو انتعاش موقت؟"، يدخل لبنان 2026 مع علامات استقرار نسبي، لكن هذا التحسن يبقى هشاً وبعيداً من التعافي الحقيقي. فمن المتوقع أن يبلغ النمو نحو 4 في المئة هذه السنة، مشروطاً بعدم حدوث تدهور أمني وتحقيق تقدم في الإصلاحات. ومع ذلك، يؤكد البنك الدولي أن هذا النمو مدفوع بالاستهلاك والتحويلات والسياحة بدلاً من الاستثمار الإنتاجي. وتبقى الإصلاحات الهيكلية الحاسمة من دون معالجة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إعادة هيكلة الدين (المتوقع عند 148.7 في المئة من الناتج المحلي)، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل، كلها مؤجلة.
ويؤكد التقرير أنه من دون إصلاحات شاملة مرتكزة على برنامج صندوق النقد الدولي، سيبقى الاستقرار قصير الأجل. ما يحتاج إليه لبنان ليس أرقاماً معزولة، بل رؤية اقتصادية واضحة لمدة تراوح بين 3 و5 سنوات، مع سياسات متماسكة وموازنة تعكس أولويات حقيقية واستثمارا إنتاجيا لنمو مستدام.
ويبقى السؤال الأصعب: كيف يوازن لبنان بين خصوصية وضعه المُعقد والمتطلبات الإصلاحية الدولية؟ فالأرقام قد تبدو أفضل اليوم، ولكن من دون إصلاح جوهري حقيقي، يخاطر لبنان بتكرار تاريخه المؤلم بدلاً من كتابة صفحة جديدة له.
نبض