فرصة لبنان الاستثمارية – من منظور مستثمر ناشط

منبر 15-01-2026 | 11:13

فرصة لبنان الاستثمارية – من منظور مستثمر ناشط

من منظور المستثمر المحترف، لا ريب أن المقومات في لبنان موجودة، وأدوات خلق القيمة واضحة، وفرصة الاستثمار متاحة...
فرصة لبنان الاستثمارية – من منظور مستثمر ناشط
الحضور في مؤتمر بيروت 1 (نبيل إسماعيل).
Smaller Bigger

*فراس أبي ناصيف

 

بعد ست سنوات على اندلاع الأزمة المالية، يقف لبنان عند مفترق طرق. وفي أعقاب مؤتمر “بيروت 1”، قد يبدو الحديث عن استعادة ثقة المستثمرين طموحًا، وربما سابقًا لأوانه. غير أنّ رأس المال لا يهرب من المخاطر بقدر ما يهرب من الغموض والاختلال المؤسسي. ومنذ عشرة أشهر، بدأ فريق حكومي إصلاحي بالتعامل تدريجيًا مع هذين العاملين. وإذا استمر هذا المسار، فقد تسهم هذه الإصلاحات في إعادة قدر من الوضوح والثقة، بما يسمح للمستثمرين بالعودة إلى النظر في فرص استثمارية قائمة في لبنان.

بصفتي مستثمرًا ناشطًا، أقيّم الفرص الاستثمارية عبر ثلاثة معايير أساسية: هامش الأمان، وإمكانات النمو، والقدرة على التأثير في النتائج. إنّ هامش الأمان لا يقتصر على شراء أصول بأقل من قيمتها، بل يشمل جودة هذه الأصول، سواء على المستوى الذاتي أو على المستوى النظامي. فالأصول اللبنانية تتمتع بقيمة جوهرية لا يمكن إنكارها، إلا أن الاختلالات الماكرو اقتصادية والسياسية تفرض مخاطر نظامية يصعب التحوط منها. وعندما تتراجع هذه المخاطر، تبرز إمكانات النمو – وهي في حالة لبنان كبيرة – غير أن تفعيلها يتطلب القدرة على التأثير ودفع التغيير عبر أربعة محركات: الحوكمة، والحوافز، و تخصيص رأس المال، والاستراتيجية. لقد كان من الصعب تفعيل هذه المحركات في لبنان من قبل، لكن الدينامية الحالية قد تجعل تنفيذها ممكنًا.

مقومات ذاتية مهددة 
عند التعمق في الواقع اللبناني، يتبين أن البلاد تمتلك مزايا تنافسية كامنة. فبين عامي 2009 و2011، صنّف مؤشر “التعقيد الاقتصادي” – الذي يقيس القدرات الإنتاجية للدول – لبنان في المرتبة الحادية والعشرين عالميًا، متقدمًا على نظرائه الإقليميين. وبحلول عام 2023، تراجع هذا الترتيب إلى المرتبة الثامنة والثمانين، في انعكاس لاختلالات نظامية تراكمت على مدى عقود. ومع ذلك، لا تزال أسس هذه المزايا قائمة، إذ إنها متجذرة في الثقافة اللبنانية نفسها.

 

وفي هذا السياق، يحتل التعليم مكانة محورية في الثقافة اللبنانية؛ فقد خرّجت الجامعات اللبنانية أجيالًا من المهندسين والعلماء والمبدعين ذوي كفاءة عالية. كما أسهم تنوّع لبنان وموقعه الجغرافي وتاريخه في الهجرة في بناء شبكات إقليمية ودولية، اقترنت بروح ريادية، وشكّلت رأسمالًا فريدًا من المعرفة والتمويل والتجارة. وإذا ما اعتُمدت تحويلات المغتربين كمؤشر على قوة الانتشار اللبناني في الخارج، فقد حلّ لبنان في المرتبة الثالثة عالميًا عام 2023 من حيث نسبة هذه التحويلات إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي بلغت 30.7%.

 

كما أن السعي الدائم إلى الاستقرار في بيئة اقتصادية غير مستقرة أسهم في ترسيخ نمط خاص من المرونة والصمود، من الأحرى أن نسمّيه “القدرة على التكيّف الإبداعي”. فبالرغم من الأزمات المتكررة، حافظ لبنان على قدرة تصديرية مركبة بلغت 5.6 مليارات دولار عام 2011 – وهو العام الذي بدأت فيه بوادر الخلل الاقتصادي – منها نحو مليار دولار في قطاع التكنولوجيا.

وقد أسهم هذا النسيج في تكوين “علامة لبنان التجاريّة”، وهو رأسمال رمزي يُعد بدوره ميزة تنافسية. غير أن المزايا التنافسية تحتاج إلى رعاية مستمرة، والسمعة، متى تضررت، يصعب ترميمها. فالتآكل المؤسسي، والاختلال الاقتصادي، وهجرة الكفاءات تهدد هذه الركائز. فمن دون بيئة اقتصادية سليمة – حيث يبقى الائتمان محدودًا، و كلفة رأس المال مرتفعة، والسياسة النقدية غير فعّالة، والأسواق المالية ضعيفة – لا يمكن لهذه المقومات أن تصمد. كما أن تدهور البنى التحتية المادية وغير المادية، وعدم انتظام تطبيق القوانين، وتعقيد الإجراءات الإدارية، كلها عوامل أسهمت في تراجع ترتيب لبنان في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولي من المرتبة الثمانين عام 2010 إلى المرتبة 145 عام 2020. وتبقى حوكمة الشركات وحماية حقوق المساهمين الأقلية محدودة، في ظل مجالس إدارة تفتقر في كثير من الأحيان إلى الاستقلالية والرقابة.

هذا التناقض بين الجودة الذاتية والاختلال النظامي هو ما يشكل التحدي الحقيقي: تحويل الطاقات الكامنة إلى فرص استثمارية ملموسة.

نحو أطروحة استثمارية واقعية
جعلُ لبنان بلدًا قابلاً للاستثمار يتطلب تفعيل أدوات الاستثمار الناشط. فالتحسين في الحوكمة يستدعي مؤسسات عامة قوية وقضاءً مستقلًا. أما الحوافز، فتحتاج إلى قانون حديث للمنافسة، وإلى أدوات ضريبية ملائمة، بما في ذلك حوافز للعمل عن بُعد واتفاقيات منع الازدواج الضريبي. كما ينبغي أن يركز تخصيص رأس المال العام على البنى التحتية والأنظمة التي تدعم الإنتاج والقدرة التصديرية. أما على مستوى الاستراتيجية، فهناك ثلاثة مسارات أساسية:

أولًا، ينبغي الانطلاق مما هو مثبت وفعّال. فإعادة بناء المنظومة الاستثمارية لا تعني تطوير “شركات اليونيكورن”، بل تسلسل الإصلاحات لتقليص مخاطر الانتقال من نمط الاقتصاد الحالي إلى نموذج الاقتصاد الأكثر إنتاجية. فعلى سبيل المثال، يمكن تشجيع تدفقات رأس المال إلى قطاعات انتقالية مثل العقارات، القادرة على تأمين ما بين مليار وملياري دولار سنويًا من العملات الأجنبية.

ثانيًا، على لبنان التركيز على قطاعات مرنة، قابلة للتوسع، و لا تتطلب استثمارات كبيرة في البنى التحتية المادية، بل تعتمد بدرجة أكبر على رأس المال البشري – وهو الميزة التنافسية الأساسية للبلاد. فمن حيث التموضع، يقع لبنان في منطقة وسطى؛ فهو ليس بلدًا يتمتع بكلفة انتاجية منخفضة، ولا بالتكنولوجيا الريادية. لذلك، عليه أن يركز على صناعات تصديرية قائمة على المعرفة، حيث يمكن للإبداع أن يعوّض عن النقص في التكنولوجيا المتقدمة، مثل الصناعات الغذائية، والصناعات الدوائية، والإنتاج المتخصص، القادرة على تلبية الطلب المحلي وتحسين ميزان المدفوعات. كما تشمل هذه القطاعات الصناعات الإبداعية والثقافية – من تصميم وإعلام وإنتاج موسيقي – ذات الامتداد العالمي، إضافة إلى الخدمات الصحية، والطب عن بُعد، والسياحة الطبية، التي يمكن توسيعها ببنى تحتية محدودة وجذب الطلب الاقليمي. ويمكن لخدمات التعليم والتكنولوجيا التعليمية تصدير الكفاءات والمؤسسات الأكاديمية اللبنانية عبر المنصات الرقمية، فيما تدعم السياحة البيئية والثقافية الاقتصادات الريفية. ورغم أن لبنان لا يملك ميزة تنافسية في ابتكار تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أنه قادر على توظيفها في قطاعاته الاستراتيجية لرفع كفاءتها وإنتاجيتها.

أخيرًا، ينبغي إرساء الطابع المؤسسي على دور الاغتراب اللبناني، من خلال سياسات واضحة، وأدوات استثمارية مناسبة مثل سندات الاغتراب، ومنصات استثمار متخصصة. كما يمكن لآليات الإنتاج المشترك أن تتيح لشركات الاغتراب تثبيت جزء من أنشطتها في لبنان، والاستفادة من شبكات الاغتراب الدولية لدعم التصدير وتوسيع حضور الشركات اللبنانية عالميًا.

في الخلاصة
من منظور المستثمر المحترف، لا ريب أن المقومات في لبنان موجودة، وأدوات خلق القيمة واضحة، وفرصة الاستثمار متاحة. فما ينقص لبنان ليس الإمكانات، بل الاستقرار. وإذا ما تسارعت الإصلاحات الجديّة التي تعيد الشفافية والمساءلة والثقة، فإن رأس المال – المحلي والأجنبي – سيعود، لا بدافع الرأفة، بل انطلاقًا من القناعة والجدوى الاقتصادية.

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/14/2026 10:41:00 AM
صنّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاثة فروع لجماعة الإخوان المسلمين كمنظّمات إرهابية.
اقتصاد وأعمال 1/12/2026 4:51:00 PM
يُنظر إلى سقوط النظام على أنه ضربة حاسمة أضعفت مسار النفوذ الفارسي الإقليمي الذي كان يربط طهران بدمشق مروراً ببغداد وبيروت.
المشرق-العربي 1/13/2026 4:20:00 PM
 الأجهزة الأمنية باشرت التحقيق في الحادثة، وسط إجراءات أمنية مشددة، من دون صدور تفاصيل إضافية حتى الآن.