أميركا بين الإمساك بمصادر النفط لمواجهة الصين وفرط الاتحاد الأوروبي
عماد جودية
هل قرّرت فرنسا التصدّي للإعصار الأميركي الموجّه نحو أوروبا؟ هذا السؤال أجاب عنه وزير خارجيتها عندما قال في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين قبل أيام من أن لـ"باريس الحق في أن تقول لا لواشنطن عندما تتصرّف بطريقة غير مقبولة"، محذراً من أن النظام السياسي الأوروبي "في خطر"، ومنتقداً في الوقت ذاته التصريحات الصادرة عن واشنطن التي تعتبر أن أوروبا تواجه خطر "زوال حضارتها".
وقال بارو: في غضون أشهر، قرّرت الإدارة الأميركية، وهذا حقها، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا. ومن حقنا في المقابل أن نقول لا لحليفنا التاريخي، مهما كانت أهميته وقوته عندما يكون اقتراحه غير مقبول عندنا، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي مهدد من الخارج من خصوم يحاولون تفكيك روابط التضامن التي توحّدنا من الداخل بسبب الإنهاك الذي أصاب الديموقراطية، موضحاً أنه "لا يوجد ما يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي بعد عشر سنوات كما نعرفه".
وجاءت مواقف بارو غداة تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الولايات المتحدة " تتخلى تدريجاً عن حلفائها وتتجاهل القواعد الدولية"، متحدثاً عن "عدوانية استعمارية جديدة متنامية في العلاقات الديبلوماسية معها".
كلام ماكرون ووزير خارجيته صحيح، ولكن أميركا تصارح فرنسا وباقي دول الاتحاد الأوروبي بأنها تدفع غالياً (65 في المئة من موازنة حلف الناتو) لكي تدافع عنهم وعن شعوبهم وحضارتهم وديموقراطيتهم وفي المقابل لا تحصل على أيّ شيء منهم، إضافة إلى أن واشنطن تعتقد أنه لا خطر يهدّد مصالحها في القارة العجوز، بينما هناك تهديد حقيقي لها آتٍ من الشرق وتحديداً من الصين وبدرجة أقل من الهند. ولهذا ستضع أميركا إمكانياتها وجهودها لمواجهتهما ولو أدى ذلك إلى فرط الاتحاد الأوروبي وهي غير آبهة لذلك.
اعتقد كثيرون أن أميركا سعت من خلال اعتقالها مادورو لوضع يدها على النفط الفنزويلي من أجل زيادة مخزونها، علماً بأنها تملك أكبره في العالم، ولكن في الحقيقة هي تسعى للسيطرة على عملية توزيع النفط في هذا العالم. فالصين تحصل على 70 في المئة من نفط فنزويلا و90 في المئة من نفط إيران، وبعد فنزويلا ستتوجّه لتغيير النظام الإيراني أو استيعابه كما حصل مع النظام الفنزويلي لتصبح موارد الصين النفطية بإمرة العم سام. هذا هو توجّه أميركا غير الآبهة بفرنسا خاصة وأوروبا عامة وليعارض وزير خارجيتها ومن خلفه رئيسه قدر ما يشاءان فهي لا تضعهما في حساباتها السياسية وعلاقاتها الدولية ولا تقيم لهما أيّ وزن في مصالحها الكونية.
وسط الصورة الجيوسياسية تلك التي رسمها ترامب وإدارته منذ لحظة دخوله البيت الأبيض على مساحة الكرة الأرضية بتنا نفهم الآن لماذا أقدمت "الدولة العميقة" في بريطانيا قبل سنوات على الانسحاب من "الاتحاد الأوروبي" والتركيز على ما سمّاه ونستون تشرشل "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة الأميركية. إنها الدولة العميقة البريطانية التي تمتدّ جذورها إلى الولايات المتحدة، فـ"القاعدة الأم لآل روتشايلد هي في لندن ولكنْ لديها فروع في نيويورك وواشنطن". و"المحفل الماسوني الأول"، أي ما يُعتبر "فاتيكان" أو "مكة" الماسونيين هو في "منطقة هولبورن" في لندن ومنها ينطلق الحكام (9 من رؤساء أميركا خرجوا من هذا المحفل). ولهذا لا يمكن توصيف الوضع بفكرة مؤامرة بل بمصالح لا يمكن لأحد أن يغفلها.
نبض