25 عاماً على أحداث 11 سبتمبر: ما الذي تعلمته الولايات المتحدة؟
حسن أبو هنيّة *
قبل خمسة وعشرين عاماً، سيطر 19 خاطفاً من تنظيم "القاعدة" على أربع طائرات مدنية أميركية وحولوها إلى سلاح انتحاري استهدف رموز القوة الأميركية السياسية والاقتصادية والعسكرية. أسفر الهجوم عن مقتل نحو 3000 شخص، وقد شكل الحدث المشهدي المروع صدمة للشعب الأميركي وأصاب الذات الأميركية بجرح نرجسي غيّر وجه البلاد، حيث اختفت القراءات التفهمية بشأن مغزى الهجمات، ودوافع الخاطفين، وبات البحث في الأسئلة الجذرية العميقة للدوافع والأسباب المحركة للتطرف العنيف يفسر كتواطؤ مع الإرهابيين، واقتصرت الجهود المبذولة لتفسير دوافع الهجوم على سؤال "لماذا يكرهوننا؟"، على صلة الإسلام بالإرهاب، وازدهرت سوق القراءة الاستشراقية والثقافوية. وبرزت مقاربات ترتكز على خوض حروب لا نهاية لها مفتوحة في الزمان وممتدة في المكان، وأصبحت سياسة الحرب على الإرهاب المعولمة هي المحدد الرئيس للعلاقات الدولية.
في زمن الأحادية القطبية الأميركية كان جوهر النقاش السياسي في تسعينيات القرن الماضي يدور حول سبب التطرف العنيف: هل الدين والأيديولوجيا هما مصدرا التطرف، أم أن الفقر والتهميش وغياب العدالة والمساواة وسوء الحكم الاستبدادي هي المسؤولة؟ ولم تطرح الأسباب المتعلقة بظرف العولمة الرأسمالية النيوليبرالية والهيمنة الأميركية، وجرى استبعاد الظرف الإقليمي المتمثل بالاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ورؤيته التوسعية ونهجه الإبادي التطهيري، واعتبرت القضية الفلسطينية مجرد ذريعة تستخدمها الجماعات الإرهابية لتبرير عنفها الإرهابي، وقد استقرت المقاربة الأمنية المعولمة على ربط الإرهاب بالدين عموماً والدين الإسلامي خصوصاً.
اختلال التوازن الأميركي
ساهمت هجمات 11 سبتمبر باختلال التوازن الأميركي، وصعود المحافظين الجدد والنزعة الإمبريالية الاستعمارية. فقد منحت صدمة حدث سبتمبر إدارة جورج بوش الابن حرية مطلقة لإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية. وبذلك، تبنت إدارة بوش الابن الجانب الأمني من النقاش وما يقابله من توصيات سياسية. وكان الدافع وراء هذه الإدارة هو الاعتقاد بأن هذه الحرب الجديدة على الإرهاب - كالحرب العالمية الثانية والحرب الباردة - هي "صراع وجودي بين الحرية والاستبداد".
وفي مواجهة هذا التهديد الخطير، "لا مجال للمجاملات"، وتحت ذريعة حرب الإرهاب شنت الولايات المتحدة سلسلة من الحروب والتدخلات الكارثية. فرغم النجاحات التكتيكية، فإن المقاربة الأميركية العسكرية والأمنية تكتنفها عيوب استراتيجية، إذ تحولت الحرب على الإرهاب إلى أطول صراع مسلح مستمر في تاريخ الولايات المتحدة، إذ استمرت لفترة أطول من مشاركة أميركا في الحربين العالميتين وتجاوزت حتى الفترة التي كان الجيش الأميركي يشارك بنشاط في العمليات القتالية خلال حرب فيتنام. وقد كلفت حرب الإرهاب الولايات المتحدة أكثر من 5 تريليونات دولار ولقى أكثر من 7000 جندي عسكري أميركي حتفه. ومع ذلك، ومع دخول الحرب على الإرهاب عقدها الثالث، فإن أي نوع من أنواع الانتصار الحقيقي يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى. واليوم، يظل الاستقرار والأمن في العراق بعيد المنال، وأدت مغامرة أميركا البائسة في العراق إلى عواقب وخيمة، فقد شكّل غزو العراق 2003 كارثة بكافة المقاييس، إذ مكّن من صعود "القاعدة" والجهادية العالمية، وفي الوقت نفسه مكّن إيران من التمدد والانتشار، حيث ساهم التدخل الأميركي بنقلة نوعية للجهادية السنيّة والشيعية. وفي أفغانستان أسفر الغزو الأميركي 2001 في النهاية عن تنامي الحركة الجهادية، وعودة "طالبان" إلى نظام الإمارة الإسلامية.
تشخيص خاطئ للمشكلة
كانت إخفاقات الحرب الأميركية على الإرهاب متجذرة في تشخيص خاطئ للمشكلة. فقد روجت إدارة بوش لفكرة أن دافع خاطفي طائرات 11 سبتمبر كان كراهيتهم للقيم الأميركية، ورفضت أي فكرة مفادها أن السياسات الأميركية ساهمت في المشاعر المعادية لأميركا أو التطرف العنيف. وزعموا أنهم "يكرهوننا لما نحن عليه، لا لما نفعله". فمن خلال تأطير تحدي التطرف الإسلامي ضمن خطاب الإرهاب والصراع الحضاري، تبنى القادة الحكوميون اعتقاداً شائعاً لدى اليمين السياسي مفاده أن استخدام القوة العسكرية هو أهم عامل في كسب الحرب على الإرهاب، وبناءً على ذلك، انتهج صانعو السياسة الأميركيون استراتيجية عسكرية لإحداث تغيير سياسي في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا على حساب البدائل الديبلوماسية والقانونية وغيرها.
رغم أن الهدف من الاستراتيجية العسكرية الأميركية كان حرمان الجماعات الإرهابية من ملاذات آمنة، إلا أن النتيجة العملية كانت عكس ذلك تماماً. فقد أدت التدخلات العسكرية الأميركية إلى زعزعة استقرار مناطق بأكملها، وخلق حالة من الفوضى وانعدام القانون التي ازدهرت فيها الجماعات المسلحة. كما ساهمت هذه التدخلات في تأجيج المشاعر المعادية لأميركا.
يقر العديد من الخبراء اليوم أن فشل الاستراتيجية العسكرية الأميركية يعود إلى التركيز على الأعراض بدلاً من الأسباب، والتخلي عن تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، لصالح المقاربة العسكرية، ولم يُبذل سوى القليل لمعالجة الركود الاقتصادي والفساد والتهميش اللذين غذّيا التطرف. ورغم أن الرئيس دونالد ترامب جاء إلى الحكم بشعار "أميركا أولاً"، وإنهاء الحرب "إلى الأبد"، لكنه يتورط اليوم بديمومة "الحرب التي لا نهاية لها"، فلا تزال منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بعيدة عن تحقيق استقرار مستدام، إذ تعاني دول المنطقة من وجود أنظمة سلطوية وشبه سلطوية، تفتقر إلى الديموقراطية وتعاني من غياب الحرية، فضلاً عن تصاعد نسب الفقر والبطالة. فالأسباب الباعثة على التطرف العنيف في المنطقة، تتمثل بانسداد آفاق التغيير السياسي الداخلي، وعدم التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. فبدلاً من لجم الاحتلال الإسرائيلي منح ترامب إسرائيل كل ما تحتاجه للتوسع وتنفيذ تطهير عرقي وارتكاب إبادة جماعية.
تغيير محور التركيز الرئيسي
بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على هجمات 11 سبتمبر، والحرب الأبدية على الإرهاب، لا يبدو أن الولايات المتحدة تعلمت شيئاً عن الأسباب الجذرية للإرهاب وعن محدودية القوة العسكرية، فقد وسعت من نطاق تعريف الإرهاب وزادت من تدخلاتها العسكرية وحروبها الخارجية، وتصاعد الحديث عن الاستثنائية الأميركية، وصدام الحضارات، وخطاب التحضر، والبربرية. ورغم نمو وتصاعد الإرهاب الدولي بأكثر من ثلاثة أضعاف وتنامي الإرهاب الداخلي، ابتعدت الولايات المتحدة عن مكافحة الإرهاب كمحور تركيزها الرئيسي، متجهةً نحو منافسة القوى العظمى مع الصين وروسيا، والوسطى كإيران، وحوّلت تركيزها نحو الداخل لإعادة تقييم دورها العالمي.
وقد أدى هذا التحول الاستراتيجي، المدفوع بتطور تصورات التهديد والضغوط الداخلية بعد عقدين ونصف من عمليات مكافحة الإرهاب المكلفة، إلى خفض ميزانيات مكافحة الإرهاب ومنع العنف، وإلى غموض بشأن مستقبل مبادرات مكافحة الإرهاب، لا سيما في أفريقيا. ومن المرجح أن يُضعف الانسحاب من عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وتراجع الوجود العسكري في البؤر الساخنة الرئيسية، وتراجع التمويل، جهود مكافحة الإرهاب العابرة للحدود الوطنية. وتأتي هذه التغييرات في ظل تزايد النشاط الجهادي وحالة عدم اليقين الأمني العالمي، مما قد يسمح للجماعات الجهادية باستغلال الثغرات الناشئة. ولعل عودة الاتحاد والاندماج أو التوصل إلى صيغة من التعاون بين النماذج الجهادية المتنافسة في زمن التعددية القطبية، سوف يشكل أحد أكبر التحديات في العالم الجديد، إذ باتت سيناريوهات سيطرة الجهادية العالمية على دول في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط مسألة وقت.
*باحث وكاتب أردني متخصص في شؤون الجماعات الجهادية
نبض