هل تدرك واشنطن وطهران أن التسوية باتت لمنع الخسارة الأكبر؟
تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما بدأت الحرب تتحول تدريجياً من صراع عسكري مباشر إلى معركة استنزاف متبادل؛ فبينما يزداد الضغط الاقتصادي على إيران، وتصبح العقوبات والحصار البحري أكثر إيلاماً، بدأت في المقابل كلفة متصاعدة للحرب، ليس فقط على مستوى الطاقة والاقتصاد، بل أيضاً على الولايات المتحدة وحلفائها.
تواجه واشنطن تراجعاً في مستوى مخزون الذخائر والجاهزية العسكرية في مناطق أخرى من العالم، وتواجه أوروبا ارتفاع كلفة الدين العام بشكل كبير. ورغم استمرار الوساطات التي تقودها قطر وباكستان، لا يبدو حتى الآن أن هناك اختراقاً دبلوماسياً حاسماً بشأن مضيق هرمز، في وقت تحاول فيه طهران استخدام المضيق كورقة ضغط، بينما تصرّ واشنطن على أن حرية الملاحة يجب أن تكون نقطة البداية لأيّ تفاوض.
الخناق على شبكة إيران المالية
تجنّبت الولايات المتحدة الأميركية حتى الآن العقوبات على المصارف الصينية الكبرى التي تتعامل مع إيران. لكن أحد التطورات اللافتة هو انتقال الضغط الأميركي إلى قلب الشبكة المالية والتجارية الإيرانية في بعض الدول، التي شكّلت على مدى عقود مركزاً أساسياً للتجارة والتمويل الإيرانيين خارج البلاد، إذ لم تعد واشنطن تكتفي بملاحقة الشركات والمؤسسات الإيرانية بل تحاول استهداف البنية الإقليمية التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات والوصول إلى الأسواق العالمية.
والواضح أن الاقتصاد الإيراني أصبح تحت ضغط متزايد، إذ تنبئ مؤشرات تراجع التجارة الخارجية وارتفاع مستويات التضخم وانهيار العملة أن سياسة الضغط الأميركية باتت تنتج ألماً اقتصادياً حقيقياً. لكن تكمن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن الألم الاقتصادي لم يتحول حتى الآن إلى تغيير واضح في القرار السياسي الإيراني، إذ لا تزال طهران تتمسك بموقفها من مضيق هرمز وتطالب بالعودة إلى مذكرة التفاهم، بينما تستمر الوساطات لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يؤدي الضغط الاقتصادي في النهاية إلى دفع إيران نحو المرونة والتسوية، أم أنه سيقود إلى مزيد من التشدد والمواجهة؟
كلفة الحرب على الأميركيين والأوروبيين
على المستوى الرسمي ينكر الأميركيون وجود مشكلة في الذخائر الاستراتيجية، بالرغم من أن الوقع يظهر أن هذه المسألة أصبحت تشكل الجانب الأكثر حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إذ إن الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية والأسلحة الدقيقة في الحرب يفرض ضغوطاً على مخزونات أميركية ليست بلا حدود؛ والأهمية الحقيقية لهذه المسألة لا تتعلق بإيران وحدها، لأن الصاروخ الاعتراضي الذي يُستخدم في الشرق الأوسط لا يمكن استخدامه في الوقت نفسه للدفاع عن القوات والمصالح الأميركية في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقد وصلت بعض هذه الضغوط إلى حد إعادة النظر في خطط الجاهزية الأميركية في أوروبا، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر بكثير من الحرب الحالية: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حرب طويلة في الشرق الأوسط من دون أن تدفع ثمناً من قدرتها على ردع روسيا في أوروبا أو الصين في آسيا؟ وهكذا أصبحت الصين وروسيا حاضرتين في حسابات الحرب، حتى من دون مشاركتهما المباشرة فيها.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن كلفة الحرب لم تعد مجرد فاتورة يدفعها المستهلك عند محطة الوقود أو في فاتورة الطاقة، بل أصبحت تدخل بصورة مباشرة في موازنات الحكومات، وقد يستمر أثرها المالي بعد استقرار أسعار النفط، بسبب الآثار التي تتركها على أسعار الفائدة وخدمة الدين؛ فالحرب تنتقل إلى موازنة أميركا وموازنات الدول الغربية، مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية وكلفة الاقتراض.
كلفة الدين ترتفع في الولايات المتحدة الأميركية وفي أوروبا التي تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً كبيرة بسبب ارتفاع الإنفاق الدفاعي وضعف النمو. وهكذا تتشكل سلسلة اقتصادية واضحة: هرمز، ثم الطاقة، ثم التضخم، ثم ارتفاع عوائد السندات، وصولاً إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين الحكومي.
العسكريون الأميركيون يتحفظون
كشفت صحيفة "واشنطن بوست" عن التباعد القائم بين المستوى العسكري والمستوى السياسي في الإدارة الأميركية، إذ يتركز السؤال الاستراتيجي في أميركا حالياً على ما تفعل حرب إيران بمخزون السلاح والجاهزية الأميركية وقدرة واشنطن على ردع الصين وروسيا. يتحفظ المستوى العسكري على استمرار هذا الحجم من الالتزام في منطقة الشرق الأوسط، والذي له ثمن استراتيجي عالمي متزايد. ويذهب قائد القوات الأميركية في أوروبا الى أنه قد يضطر إلى إعطاء أولوية للدفاع عن الولايات المتحدة على حساب حماية إسرائيل من الصواريخ الإيرانية.
في المحصلة، لم يعد عامل الزمن يعمل بصورة واضحة لمصلحة واشنطن؛ صحيح أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغط هائل، لكن الكلفة الأميركية والغربية تتراكم أيضاً، من الذخائر الاستراتيجية إلى الجاهزية العسكرية على المسارح المتعددة، إلى ارتفاع كلفة الاقتراض. ولهذا قد يكون انتقال واشنطن من القصف إلى الضغط الاقتصادي أكثر من مجرد تغيير تكتيكي؛ إنه محاولة لإضعاف إيران من دون استنزاف المزيد من رأس المال العسكري الأميركي النادر.
ويبقى السؤال الحاسم للمرحلة المقبلة: هل تنجح العقوبات والحصار في تحويل الألم الاقتصادي إلى تنازل إيراني أم أن استمرار الحرب سيجعل العودة إلى التصعيد العسكري أكثر كلفة على الولايات المتحدة؟
في النهاية، قد لا تأتي التسوية لأن أحد الطرفين انتصر، بل لأن كلفة مواصلة الحرب ستصبح أعلى من قيمة المكاسب التي يمكن لأي طرف أن يحققها. وعندها فقط قد يدرك الطرفان أن أفضل طريق للخروج ليس تحقيق انتصار كامل، بل منع خسارة أكبر.

نبض