جزر الكوريل تعيد الأزمة الروسية اليابانية إلى الواجهة

آراء 23-08-2026 | 07:29

جزر الكوريل تعيد الأزمة الروسية اليابانية إلى الواجهة

بعد أكثر من ثمانية عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، لا تزال أربع جزر صغيرة في أقصى شمال شرقي آسيا قادرة على إعادة إشعال التوتر بين موسكو وطوكيو.

جزر الكوريل تعيد الأزمة الروسية اليابانية إلى الواجهة
بوتين يتذوق الكافيار في ايتوروف
Smaller Bigger

 

د. خالد العزي*

 

 

أشعلت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 12 آب/أغسطس الجاري لجزيرة إيتوروف  الغضب الرسمي في اليابان، بعدما أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا الإقليمية حساسيةً في شرق آسيا، وهي أزمة الجزر المتنازع عليها بين موسكو وطوكيو.


وبينما كانت طوكيو تتحرك ديبلوماسياً للاحتجاج على الزيارة، كان بوتين يتجول في الجزيرة ويلتقي سكانها ويتفقد مؤسساتها، بل يتناول الكافيار المحلي، في مشهد حمل رسالة سياسية واضحة: موسكو تتعامل مع إيتوروف باعتبارها أرضاً روسية خاضعة لسيادتها وإدارتها.


خطوة روسية تستفز اليابان


وصل بوتين إلى إيتوروف في زيارة حملت أبعاداً سياسية إلى جانب طابعها الميداني. فقد تفقد عدداً من المنشآت والمؤسسات المحلية، بينها مدرسة ومستشفى ومنشآت اقتصادية، كما التقى سكاناً ومسؤولين محليين.


وبذلك أرادت موسكو إظهار أن الجزيرة جزء من الأراضي الروسية، وأن وجودها تحت الإدارة الروسية أمر واقع لا ترى فيه مجالاً للنقاش.


وبحسب موقف رئيس الوزراء الياباني ساناي تاكايتشي، تؤكد اليابان أن إيتوروف ليست مجرد جزيرة روسية نائية في أقصى الشرق، بل واحدة من الجزر الأربع التي تطلق عليها اليابان اسم "الأقاليم الشمالية"، وهي إيتوروف وكوناشير وشيكوتان وجزر هابوماي التي تطالب اليابان باستعادتها من روسيا، في نزاع تعود جذوره إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما سيطرت القوات السوفياتية على هذه المناطق.


وبقي الخلاف قائماً بين موسكو وطوكيو، وأصبح من أبرز الملفات التي تعرقل الوصول إلى تسوية نهائية بين البلدين، كما ارتبط تاريخياً بعدم توقيع معاهدة سلام رسمية بينهما.


احتجاج ديبلوماسي ياباني


 أوضحت اليابان في السابق رفضها الزيارات الرسمية الروسية لما تعتبرها "أقاليمها الشمالية"، لكن بعد زيارة بوتين، تحركت وزارة الخارجية اليابانية واستدعت السفير الروسي، وأبلغته احتجاج طوكيو، فيما أكدت الحكومة أن الزيارة غير مقبولة. وبذلك انتقل الخلاف مجدداً من قضية إقليمية مزمنة إلى مواجهة ديبلوماسية مباشرة بين البلدين.


روسيا واليابان في ظل أزمة أوكرانيا


وتأتي الزيارة في وقت تمر فيه العلاقات الروسية- اليابانية بواحدة من أصعب مراحلها منذ عقود. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، انضمت اليابان إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وتراجعت العلاقات السياسية والاقتصادية بين موسكو وطوكيو بصورة كبيرة.


وفي ظل هذا المناخ، ازدادت صعوبة تحقيق أي تقدم في ملف الجزر، خصوصاً مع اتساع الخلاف بين البلدين حول الحرب في أوكرانيا والقضايا الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.


وحاولت طوكيو في مراحل مختلفة إبقاء قنوات الاتصال مع موسكو مفتوحة، أملاً في الحفاظ على إمكان الحوار بشأن الملفات العالقة، وفي مقدمها قضية الجزر. لكن زيارة بوتين جاءت لتزيد من تعقيد هذا المسار.


رسالة سياسية تتجاوز حدود الجزيرة


فاللقاء مع السكان وتفقد المؤسسات والمنشآت الاقتصادية وإظهار الحياة اليومية تحت الإدارة الروسية، كلها خطوات تعزز صورة الجزيرة باعتبارها جزءاً من الأراضي التي تديرها موسكو بصورة كاملة. ومن أكثر مشاهد الزيارة لفتاً للانتباه ظهور بوتين وهو يتذوق الكافيار ومنتجات بحرية محلية خلال جولته في الجزيرة.


ومن وجهة نظر طوكيو، فإن زيارة الرئيس الروسي لهذه المنطقة ذات البعد المتنازع عليه تشكل استفزازاً لها، ودعوةً إلى تعميق الخلاف والاستعداد لفتح جبهة جديدة في منطقة البحر الأصفر، وأن الزيارة لأرض تعتبرها اليابان جزءاً من أراضيها هي تحدٍّ مباشر لها.


وهكذا تحولت رحلة بوتين إلى إيتوروف من زيارة ميدانية إلى رسالة ديبلوماسية واضحة. ففي موسكو تعكس الزيارة تأكيداً للسيادة الروسية، بينما تراها طوكيو استفزازاً يمس قضية تعتبرها من صميم أراضيها الوطنية.
ومع غياب أي تسوية نهائية، ستبقى جزر الكوريل الجنوبية المعروفة بهذا الاسم في روسيا واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الروسية- اليابانية. وبعد أكثر من ثمانية عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، لا تزال أربع جزر صغيرة في أقصى شمال شرقي آسيا قادرة على إعادة إشعال التوتر بين موسكو وطوكيو، وتحويل زيارة رئاسية، وحتى مشهد تناول الكافيار، إلى عنوان جديد لأزمة ديبلوماسية لم تجد طريقها إلى الحل.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/21/2026 11:32:00 PM
أثارت طفلة مصرية تبلغ 11 عاماً غضباً واسعاً بعدما ألقت بنفسها من الطابق الرابع في الزقازيق، فيما أشارت التحريات الأولية إلى أنها فعلت ذلك خوفاً من والدها.
كتاب النهار 8/21/2026 11:15:00 AM
بات الناس يخافون بعضهم البعض، إذ بماذا يُمكن أن يُفسّر وجودُ كل هذا العتاد في منزل صاحب مولد لتوزيع الكهرباء إلا باستعداده للانقضاض على جيرانه والمقيمين في محيطه...
تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/21/2026 10:04:00 PM
بعد تسجيل حالات تسمّم استدعت دخول عاملين في ورش تصليح السيارات إلى المستشفى وبعضهم إلى العناية الفائقة، حذّرت وزارة الصحة من استخدام البنزين والمذيبات الصناعية لتنظيف الجلد ومن استنشاق أبخرتها.