بيعة فوق الدستور

آراء 30-07-2026 | 04:07

بيعة فوق الدستور

المسألة ليست خلافاً مذهبياً، ولا يجوز اختزال شيعة لبنان في تنظيم مسلح. فالطائفة الشيعية مكوّن أصيل من مكونات لبنان، ولها تاريخها الوطني وتنوعها الفكري والسياسي. لكن "حزب الله" يصادر هذا التنوع.

بيعة فوق الدستور
Smaller Bigger

مهدي عقبائي*

 

في الدول ذات السيادة، لا تكون البيعة إلا للشعب، ولا تعلو شرعية على شرعية الدستور والمؤسسات المنتخبة. أما حينما يعلن تنظيم مسلح يعمل داخل دولة ما ولاءه المطلق لمرشد دولة أخرى، ويصفه بأنه "النائب الشرعي" للإمام المهدي و"الحجة" على أتباعه، فإن الأمر يتجاوز رسالة عقائدية أو مجاملة سياسية، ليصبح وثيقة تكشف بوضوح أين يوجد مركز القرار الحقيقي.


الرسالة التي وجّهها عناصر من "حزب الله" إلى مجتبى خامنئي، معلنين البيعة له، لم تترك مجالاً واسعاً للتأويل. فقد جاء فيها: "إننا على يقين بأن هذه البيعة هي في حقيقتها بيعة لحضرة الإمام المهدي المنتظر؛ لأنكم بحق نائبه الشرعي وحجته علينا في زمن الغيبة الكبرى".


إنها عبارات تقشعرّ لها أبدان أي شيعي يرفض تحويل المقدسات الدينية إلى غطاء لطاعة حاكم سياسي. فربط البيعة لولي الفقيه بالبيعة للإمام المهدي ليس تعبيراً عن الإيمان، بل استخدام للدين لإضفاء القداسة على سلطة بشرية تحكم بالقمع والإعدام داخل إيران، وبالسلاح والميليشيات خارجها.


المسألة ليست خلافاً مذهبياً، ولا يجوز اختزال شيعة لبنان في تنظيم مسلح. فالطائفة الشيعية مكوّن أصيل من مكونات لبنان، ولها تاريخها الوطني وتنوعها الفكري والسياسي. لكن "حزب الله" يصادر هذا التنوع، ويحاول تقديم ولائه لنظام أجنبي بوصفه إرادة عامة للشيعة، في حين يرفض كثيرون منهم جعل إيمانهم أداة لشرعنة وصاية سياسية عابرة للحدود.


وقد وضع قائد المقاومة الإيرانية مسعود رجوي يده على جوهر المسألة حينما وصفها بأنها "بيعة مشوبة بالشرك"، وقال:
"إن هذه البيعة المشينة القائمة على الارتزاق، والموجّهة ضد الإسلام والقرآن، ليست في حقيقتها سوى مطالبة بزيادة التمويل أو المخصّصات المالية".


هذه العبارة تستند إلى واقع معلن، لا إلى مجرد اتهام سياسي. ففي حزيران/يونيو 2016، قال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله بوضوح: "نحن يا إخوان على رأس السطح... موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران".


هنا تكتمل المعادلة: التمويل والسلاح والصواريخ تأتي من نظام الملالي، والتوجيه السياسي والعسكري يصدر عنه، ثم تأتي البيعة لتعلن أن الولاء والمرجعية والقرار الأعلى تعود إليه أيضاً. لذلك تبدو البيعة أقرب إلى تجديد عقد بين المموّل والوكيل: يدفع النظام الأموال، فيما يضع الوكيل اللبناني سلاحه وأرضه وقراره في خدمة مشروع الولي الفقيه.


وتزداد خطورة هذه العلاقة لأن نظام الملالي لا ينظر إلى لبنان كدولة مستقلة ذات شعب ومصالح وطنية، بل كساحة متقدمة وخندق خارجي وساتر دفاعي يحمي بقاءه. وكلما اشتد الضغط الدولي عليه، أو تعرض نفوذه ومنشآته ومواقعه للضربات، حاول نقل المواجهة إلى خارج إيران، ودفع بوكلائه إلى الواجهة كي لا يدفع هو الثمن مباشرة.


بهذه السياسة، يريد نظام الملالي أن يجعل لبنان درعاً للدفاع عن نفسه، وأن يحوّل مدنه وقراه وحدوده إلى خط نار يخدم استراتيجيته الإقليمية. يريد أن يقاتل من الأرض اللبنانية، وأن يفاوض بدماء اللبنانيين، وأن يستخدم تهديد أمن لبنان والمنطقة وسيلة لتخفيف الضغط عن سلطته المتأزمة.


لكن الثمن لا يدفعه حكام النظام ولا قادة الحرس الإرهابي. الثمن يدفعه الشعب اللبناني: بيوت تُدمّر، واقتصاد ينهار، وأبناء يُقتلون أو يُهجّرون، ودولة تُجرّ إلى حرب لم يقررها اللبنانيون ولا يريدونها. إنها حرب يحتاجها نظام الملالي دفاعاً عن بقائه، فيما لا مصلحة للبنان وشعبه فيها.


ومن هنا لا تعني البيعة مجرد ولاء ديني أو سياسي لمرشد أجنبي، بل تمنحه عملياً حق التدخل في قرار لبنان، وفي توقيت الحرب وحدود التضحية بشعبه. فمن يعلن الطاعة المطلقة لولي الفقيه لا يستطيع في الوقت نفسه أن يقنع اللبنانيين بأن قراره في الحرب والسلم قرار لبناني مستقل.


هذا التناقض لا يمكن تغطيته بشعارات "المقاومة الوطنية". فالعمل الوطني ينطلق من مصالح الوطن وقرارات مؤسساته، ولا يحتاج إلى بيعة خارج الحدود. أما تنظيم يمتلك السلاح ويجعل طاعته لشخص لا ينتخبه اللبنانيون ولا يخضع لدستورهم، فإنه يضع نفسه فوق الدولة وخارج مفهوم المواطنة المتساوية.


كما تكشف البيعة حاجة نظام الملالي إلى تعويض تراجع نفوذه بلغة دينية أكثر تشدداً. فكلما ضعفت قدرته على تسويق مشروعه الإقليمي، ارتفعت جرعة التقديس والطاعة. وكلما ازداد رفض الشعوب لميليشياته، حاول تحويل الولاء السياسي إلى تكليف ديني، بحيث يصبح الاعتراض على سلطته اعتراضاً على المقدسات.


وهذه هي الطريقة نفسها التي حكم بها الملالي الشعب الإيراني طوال عقود: تحويل معارضة الحاكم إلى معارضة للدين، وتقديس الولي الفقيه لتبرير القمع والإعدام ونهب الثروات. واليوم يصدرون النموذج نفسه إلى لبنان، مستخدمين "حزب الله" لفرض وصاية سياسية ودينية ومسلحة.


لكن الشعبين الإيراني واللبناني يقفان في جانب واحد من هذه المعادلة. اللبنانيون يريدون دولة تستعيد قرارها ومؤسساتها، والإيرانيون يريدون استعادة ثرواتهم التي أُنفقت على الميليشيات والحروب. الصراع ليس بين لبنان وإيران، ولا بين الشيعة وبقية اللبنانيين، بل بين شعبين يريدان السيادة والحرية، ونظام يستخدم الدين والسلاح والمال لإدامة سلطته.


يريد نظام الملالي من هذه البيعة أن تكون استعراضاً للقوة وتجديداً لطاعة وكلائه، لكنها تحولت إلى وثيقة اعتراف بالتبعية والارتزاق. السلاح موجود على الأرض اللبنانية، لكن مصدر تمويله ومرجعيته ووجهة ولائه تقع خارج الحدود.
أما الشعب اللبناني فيريد دولة واحدة، ودستوراً واحداً، وجيشاً واحداً، وقراراً وطنياً واحداً. ولا يستطيع لبنان أن يستعيد عافيته ما دام فيه قراران وبيعتان: واحدة معلنة للوطن، وأخرى حقيقية لولي الفقيه، يدفع اللبنانيون ثمنها في حرب لا يريدونها، ولا تخدم سوى بقاء نظام الملالي الحاكم في إيران.

*كاتب إيراني, عضو في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 7/29/2026 7:13:00 PM
الحريق الذي شهدته السفن في الميناء نجم عن اشتعال داخل غرفة محركات إحدى السفن المتهالكة، وتمت السيطرة عليه دون وقوع إصابات.
كتاب النهار 7/29/2026 1:07:00 PM
كان جديراً بالحزب أن يلتزم الصمت حيال هذا النبأ والأنباء المماثلة المتصلة بوقائع عسكرية، لولا مسارعة بعض الجهات المغرضة إلى الربط بين العثور على هذه المادة وتفجير مرفأ بيروت
النهار تتحقق 7/28/2026 7:54:00 AM
يظهر الفيديو ثلاثة أشخاص واقفين في الماء، ممسكين ببساط يحتوي على أسماء صغيرة، بينما يستعرضها المصور عن قرب داخل إناء، ويشير إلى أنَّها أسماك السلور.
النهار تتحقق 7/29/2026 8:51:00 AM
كان رجل الأعمال والمصرفي اللبناني ينظر مباشرة إلى الكاميرا، رافعاً إبهامه علامة على الموافقة.