القدم الإيرانية في اليمن
تهديد أمن البحر الأحمر أو الملاحة الدولية لا يؤثر على الخصوم الإقليميين فحسب، وإنما يضع اليمن أمام مسؤولية تاريخية حيال موقعه الجغرافي ودوره الطبيعي في المنطقة...
السفير عبدالله الدعيس
لم يكن الحضور الإيراني في اليمن وليد الحرب التي اندلعت قبل أكثر من عقد من الزمن، ولا نتيجة مباشرة للأحداث التي أعقبت ما سمي الربيع العربي، بل جاء ثمرة استراتيجية بعيدة المدى انتهجتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيامها عام 1979، وقامت على مدّ نفوذها خارج حدودها عبر بناء حلفاء محليين يدينون لها بالولاء السياسي والعقائدي، ويشكلون امتداداً لمشروعها الإقليمي في الدول التي تعاني هشاشة مؤسساتها أو انقسام نخبها السياسية. وقد اختلفت أدوات تنفيذ هذه الاستراتيجية من بلد إلى آخر، إلا أن جوهرها ظل ثابتاً، وهو التغلغل الهادئ، ثم بناء النفوذ تدريجاً، وصولاً إلى امتلاك أوراق ضغط مؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، احتل اليمن مكانةً متقدمة في التفكير الاستراتيجي لنظام الملالي في إيران، ليس بسبب خصوصيته المذهبية فحسب، وإنما لأن الجغرافيا اليمنية تمنحه قيمة استثنائية في معادلات القوة. فالدولة الواقعة جنوب الجزيرة العربية تشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتجاور المملكة العربية السعودية، وتمثل امتداداً مباشراً لأمن الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما جعلها هدفاً طبيعياً لأي مشروع يسعى إلى توسيع النفوذ الإقليمي وامتلاك أوراق ضغط تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
وتشير الوقائع إلى أن البدايات الأولى لهذا الحضور تعود إلى منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما افتتحت إيران المستشفى الإيراني في صنعاء. وفي حين بدا المشروع آنذاك نشاطاً إنسانياً وثقافياً عادياً، فإن تطورات السنوات اللاحقة أظهرت أنه كان جزءاً من سياسة أكثر اتساعاً هدفت إلى بناء شبكة من العلاقات داخل المجتمع اليمني، وخصوصاً في الأوساط المرتبطة بالبيئة الزيدية. وقد وجدت بقايا التيار الإمامي، الذي فقد سلطته بقيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، في الثورة الإيرانية نموذجاً سياسياً يمكن البناء عليه لإحياء حضورها، بينما رأت طهران في تلك البيئة مدخلاً مناسباً لبناء نفوذ طويل الأمد في بلد يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة.
ولم تتعامل الدولة اليمنية آنذاك مع هذه التحركات باعتبارها مشروعاً لدولة تسعى إلى ترسيخ نفوذها، بل نظرت إليها بوصفها نشاطاً محدوداً لا يخرج عن إطار العلاقات الطبيعية بين الدول، أو باعتبارها إحدى الظواهر السياسية والفكرية التي يمكن استيعابها ضمن المشهد اليمني. غير أن ما لم يكن ظاهراً في ذلك الوقت هو أن إيران كانت تعمل وفق سياسة النفس الطويل، التي لا تستعجل النتائج، وإنما تراكم أدوات التأثير بهدوء حتى تتهيأ الظروف المناسبة للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.
وجاءت الوحدة اليمنية عام 1990 لتفتح مرحلة جديدة في الحياة السياسية بعد إقرار التعددية الحزبية، وهي خطوة مثلت إحدى أبرز ثمار قيام الجمهورية اليمنية. وقد استفادت مختلف التيارات السياسية من هذا المناخ لتأسيس أحزابها والانخراط في الحياة العامة، وكان بينها التيار الذي انطلق منه حسين بدر الدين الحوثي، الذي وصل إلى مجلس النواب نائباً منتخباً قبل أن يؤسس لاحقاً النواة الفكرية والتنظيمية لما عرف في ما بعد بجماعة أنصار الله.
وفي تلك المرحلة لم يكن المشروع الحوثي قد أخذ شكله العسكري المعروف اليوم، لكنه كان يعمل على بناء قاعدة فكرية وتنظيمية داخل محافظة صعدة، مستفيداً من النشاط الثقافي والديني ومن حالة الفراغ التي رافقت تراجع مؤسسات الدولة في بعض المناطق. ومع مرور الوقت أخذ الخطاب يتجه نحو صوغ مشروعٍ سياسي ذي طابع عقائدي، يقوم على فكرة الاصطفاء الديني وحق السلالة في القيادة، مع تقاطع متزايد مع نظرية ولاية الفقيه التي تشكل الأساس الفكري للنظام الإيراني، وهو ما منح العلاقة بين الطرفين بعداً يتجاوز حدود التعاطف السياسي إلى مستوى التقارب العقائدي والاستراتيجي.
ومع مطلع الألفية الجديدة دخلت العلاقة بين الدولة والجماعة مرحلة الصدام، لتندلع سلسلة من الحروب في محافظة صعدة بين عامي 2004 و2010. ورغم أن الحرب الأولى انتهت بمقتل حسين بدر الدين الحوثي، فإن ذلك لم يؤدّ إلى إنهاء الجماعة، بل على العكس، ساهمت تلك الحروب في إعادة تشكيلها تحت قيادة عبدالملك الحوثي، الذي استطاع تحويلها من حركة محلية محدودة إلى تنظيم أكثر تماسكاً وتنظيماً، مستفيداً من الخبرة العسكرية التي راكمتها سنوات القتال، ومن حالة التعبئة الاجتماعية التي رافقت تلك المواجهات.
وخلال تلك المرحلة برزت قضية صعدة باعتبارها أحد أبرز ملفات الأزمة اليمنية، وتحولت إلى محور رئيس في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد بعد انتقال السلطة إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي عقب حوادث عام 2011. وقد شاركت جماعة الحوثي في المؤتمر، وساهمت في مناقشة وثيقة الحوار الوطني التي كان يفترض أن تشكل الأساس لبناء الدولة الاتحادية وصياغة دستور جديد يقوم على الشراكة وسيادة القانون.
غير أن الجماعة كانت تتحرك في اتجاه مختلف. ففي الوقت الذي كانت القوى السياسية تتفاوض حول مستقبل الدولة، كانت هي توسع انتشارها العسكري خارج صعدة، مستفيدة من الانقسامات التي عصفت بالمؤسسة العسكرية، ومن حالة الاستقطاب السياسي الحاد، ومن التحالف الذي نشأ بينها وبين الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي اعتقد أن بإمكانه توظيفها لإقصاء خصومه والعودة إلى مركز القرار، غير أن الأحداث أثبتت لاحقاً أن الجماعة كانت تتحرك وفق مشروع يتجاوز الحسابات السياسية الداخلية، مستندة إلى دعمٍ وخبرة وشبكة علاقات مكنتها من تغيير موازين القوى بصورة متسارعة.
وجاء سقوط العاصمة صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014 ليشكل نقطة التحول الأكبر في تاريخ الأزمة اليمنية. فمنذ ذلك التاريخ لم يعد الحديث يدور عن جماعة متمردة في أطراف البلاد، بل عن ميليشيا متمردة سيطرت على مؤسسات الدولة، وفرضت الإقامة الجبرية على رئيس الجمهورية والحكومة، وأدخلت اليمن مرحلةً جديدة انتقل فيها الصراع من أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية ودولية. كما أصبحت إيران، في نظر الحكومة اليمنية وعدد كبير من الدول العربية والغربية، المستفيد الاستراتيجي الأول من هذا التحول، بعد أن بات لها نفوذ مؤثر في دولة تتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتقع على تماس مباشر مع الأمن القومي العربي.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النفوذ الإيراني في اليمن مجرد مسألة تتعلق بدعم حليف محلي، بل تحول إلى عنصر رئيس في معادلات الصراع الإقليمي، وأصبح اليمن جزءاً من شبكة النفوذ التي سعت طهران إلى بنائها في عدد من الساحات العربية، بما يمنحها أوراقاً إضافية في مواجهة خصومها، ويجعل من الجغرافيا اليمنية إحدى أهم أدوات التأثير في توازنات المنطقة.
ومع انتقال النفوذ الإيراني في اليمن من مرحلة التأسيس الهادئ إلى مرحلة التأثير المباشر، بدأت طبيعة الصراع تتغير بصورة جوهرية. فلم تعد جماعة الحوثي مليشيا إرهابية متمردة محلية تنازع على السلطة داخل الإطار اليمني فحسب، بل أصبحت تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وتتحرك في بيئة إقليمية تتجاوز حدود الدولة اليمنية، وهو ما جعل موقع اليمن يتحول من ساحة أزمة داخلية إلى ورقة استراتيجية في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن اليمن لا يمثل بلداً عادياً في الجغرافيا السياسية للمنطقة، فإشرافه على مضيق باب المندب يمنحه أهمية تفوق حجمه الجغرافي والديموغرافي. فهذا المضيق يعد أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تمر عبرها التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وأي تهديد لأمنه لا ينعكس على اليمن أو دول الجوار فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ولذلك فإن امتلاك طرف مسلح نفوذاً مؤثراً في هذه المنطقة يمنحه قدرة على التأثير في ملفات تتجاوز الحدود اليمنية.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة العلاقة بين إيران وجماعة الحوثي لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الأيديولوجي أو السياسي، بل يجب وضعها ضمن إطار أوسع يتعلق بإدارة النفوذ الإقليمي. فإيران، التي بنت خلال العقود الماضية شبكة من الحلفاء والوكلاء في عدد من الدول العربية، وجدت في اليمن فرصة لتعزيز حضورها في خاصرة شبه الجزيرة العربية، وإضافة ورقة جديدة إلى أدواتها في إدارة صراعاتها الإقليمية. وقد ساعدها في ذلك ضعف الدولة اليمنية، والانقسامات السياسية، وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سيادتها على كامل أراضيها.
وقد رافق هذا التحول تطور واضح في القدرات العسكرية لميليشيا الحوثي، سواء من حيث الصواريخ والطائرات المسيّرة أو القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة نسبياً عن مناطق سيطرتها. وقد أشارت تقارير دولية عدة إلى وجود دعم إيراني ساهم في تطوير هذه القدرات، في حين نفت طهران تقديم دعم عسكري مباشر، مؤكدة أن علاقتها بالجماعة سياسية. إلا أن طبيعة التطور العسكري الذي شهدته الجماعة خلال سنوات الحرب، وطبيعة العمليات التي نفذتها، جعلت الملف اليمني مرتبطاً بصورة متزايدة بمسألة النفوذ الإيراني في المنطقة.
ولم يعد أثر هذا النفوذ مقتصراً على الداخل اليمني، إذ انتقل تدريجاً إلى المجال البحري، حيث تحولت الهجمات التي استهدفت السفن والمنشآت الحيوية إلى عامل ضغطٍ على الأمن الإقليمي والدولي. وقد أدى ذلك إلى تغيير طبيعة التعامل الدولي مع الأزمة اليمنية، فلم تعد القضية تُطرح فقط باعتبارها نزاعاً سياسياً بين الدولة ومليشيا متمردة، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أمنية أوسع تتعلق بحرية الملاحة الدولية وأمن البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف عن انتقال جديد في طبيعة المواجهة. فقد حمل خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة اليمنية لم تعد تنظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه، وإنما باعتبارها نتيجة مباشرة لانقلاب مسلح أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتحويل اليمن إلى ساحة تخدم أجندات خارجية.
فقد أكد الرئيس العليمي أن معاناة اليمنيين خلال السنوات الماضية لم تكن نتيجة ما وصفه بالحصار الذي تروج له جماعة الحوثي، وإنما نتيجة مباشرة لسياسات الانقلاب التي أدت إلى انهيار الاقتصاد، وتعطيل مؤسسات الدولة، واستنزاف موارد البلاد، واستخدام معاناة المواطنين لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية. كما شدد على أن الوقت قد حان للالتفاف حول مشروع الدولة واستعادة مؤسساتها، داعياً مختلف المكونات الوطنية إلى دعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية باعتبارها الأداة الشرعية لحماية الدولة وصون سيادتها.
وتكتسب هذه الرسائل أهميتها من كونها جاءت متزامنة مع إعلان استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته لخدمة المواطنين، وخصوصاً صرف الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. فالبعد الاقتصادي في المعركة اليمنية لا يقل أهمية عن البعد العسكري، لأن أحد أهداف استعادة الدولة يتمثل في إعادة بناء العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإثبات أن وجود الدولة لا يرتبط فقط بالقدرة على استخدام القوة، وإنما بقدرتها على توفير الأمن والخدمات والحياة الكريمة.
كما جاء اجتماع مجلس الدفاع الوطني ليعكس توجهاً نحو إعادة تنظيم أدوات الدولة في مواجهة التحديات القائمة، من خلال رفع الجاهزية العسكرية والأمنية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، والتأكيد على أن استعادة الدولة وحماية النظام الجمهوري تمثلان أولوية وطنية. ويشير هذا المسار إلى محاولة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة أكثر وضوحاً في تحديد الأهداف، تقوم على إعادة بناء القدرة الوطنية لمواجهة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
وفي القراءة السياسية لهذه التحولات، يرى عدد من المحللين، أن خطاب الرئيس العليمي يمثل انتقالاً في طبيعة الخطاب الرسمي من الاكتفاء بتوصيف الأزمة إلى الإعلان عن مرحلة جديدة عنوانها استعادة المبادرة. فالدعوة إلى حضور القيادة السياسية والعسكرية في قلب المعركة، وإعادة توزيع الأدوار بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، تعكس محاولة لإظهار أن معركة استعادة الدولة لم تعد مسؤولية طرف واحد، وإنما باتت مشروعاً وطنياً تتشارك فيه مختلف القوى المناهضة للانقلاب.
وفي المقابل، فإن تصعيد ميليشيا الحوثي الارهابية الأخير حيال الملاحة والموانئ السعودية يعكس استمرار ارتباط الجماعة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اليمنية. فقد جاء إعلانها فرض إجراءات بحرية ضد الموانئ السعودية في سياق إقليمي متوتر، وهو ما دفع المملكة العربية السعودية إلى التأكيد على رفض أي تهديد لأمنها أو لأمن الملاحة الدولية، باعتبار أن حماية الممرات البحرية ليست شأناً يخص دولة واحدة، وإنما مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة.
وقد رحبت الحكومة اليمنية بالموقف السعودي، معتبرة أنه يجسد استمرار الدعم العربي لمؤسسات الدولة اليمنية، ويؤكد أن أمن اليمن مرتبط بأمن محيطه العربي. فاستقرار اليمن لا يمثل مصلحة يمنية داخلية فقط، بل يشكل عاملاً أساسياً في حماية البحر الأحمر والخليج العربي ومنع تحول المنطقة إلى ساحات مفتوحة للصراعات الخارجية.
إن التطورات الأخيرة تؤكد أن المعركة في اليمن لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض فحسب، بل أصبحت تدور حول طبيعة الدولة التي ستقوم في المستقبل، وحول ما إذا كان اليمن سيستعيد دوره كدولة عربية ذات سيادة، أم سيبقى ساحة تتنافس فيها المشاريع الإقليمية. ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام القوى الوطنية لا يتمثل فقط في مواجهة جماعة مسلحة، بل في بناء مشروع سياسي واقتصادي قادر على إعادة توحيد المجتمع واستعادة ثقة المواطنين بالدولة.
إن التجربة اليمنية خلال العقود الماضية تقدم درساً واضحاً مفاده أن نفوذ القوى الخارجية لا ينشأ من قوتها الذاتية فقط، وإنما يجد طريقه عندما تضعف الدولة، وتتراجع مؤسساتها، وتتحول الخلافات الداخلية إلى ثغرات تسمح بالتدخل والتأثير. ولذلك فإن معالجة آثار النفوذ الإيراني في اليمن لا يمكن أن تكون عبر المواجهة العسكرية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الدولة اليمنية على أسس وطنية راسخة، تستعيد معها مؤسساتها قدرتها على احتكار القرار السياسي والأمني، وتعيد الاعتبار الى مفهوم المواطنة المتساوية باعتباره الأساس الحقيقي للاستقرار.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن أي مشروع سياسي يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة، أو على بناء سلطة موازية للدولة، لا يمكن أن ينتج استقراراً دائماً. فالدولة ليست مجرد مؤسسات إدارية أو أجهزة أمنية، وإنما هي عقد اجتماعي يقوم على مشاركة المواطنين وشعورهم بأنهم جزء من مشروع وطني جامع. ومن هنا فإن إنهاء الأزمة اليمنية لا يرتبط فقط باستعادة المدن أو تغيير موازين القوى العسكرية، بل يرتبط بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومعالجة الاختلالات التي سمحت بنمو المشاريع البديلة للدولة.
وفي هذا السياق، فإن مستقبل النفوذ الإيراني في اليمن سيبقى مرتبطاً الى درجة كبيرة بمستقبل الدولة اليمنية نفسها. فكلما كانت مؤسسات الدولة قوية وموحدة وقادرة على ممارسة سيادتها، تراجعت قدرة أي طرف خارجي على بناء نفوذ مؤثر داخلها. أما استمرار حالة الانقسام والضعف المؤسسي، فإنه سيبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار التدخلات الخارجية، ليس من إيران فقط، وإنما من أي قوة تسعى إلى توظيف الجغرافيا اليمنية لخدمة مصالحها.
كما أن التحولات الإقليمية والدولية تشير إلى أن استمرار الوضع القائم لم يعد خياراً سهلاً. فالمجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً للارتباط بين الأزمة اليمنية وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، كما أن دول المنطقة أصبحت أكثر قناعة بأن استقرار اليمن يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي. ولذلك فإن أي مقاربة مستقبلية للأزمة اليمنية ستحتاج إلى الجمع بين المسار السياسي والمسار الأمني، بحيث لا تتحول التسويات إلى مجرد ترتيبات موقتة تسمح باستمرار أسباب الصراع.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية توحيد القوى الوطنية اليمنية حول مشروع الدولة والجمهورية، بعيداً من الحسابات الضيقة أو الخلافات المرحلية. فالتجربة أثبتت أن الانقسامات الداخلية كانت أحد أهم العوامل التي ساعدت على تمدد النفوذ الخارجي، وأن استعادة القرار الوطني تبدأ من القدرة على بناء توافق داخلي حقيقي، يضع مصلحة اليمن فوق المصالح الفئوية والحزبية.
ولا شك في أن خطاب الدكتور العليمي جاء في لحظة سياسية مهمة، لأنه حاول إعادة تقديم المعركة باعتبارها معركة استعادة دولة، وليس مجرد صراع بين أطراف سياسية أو عسكرية. فربط استئناف تصدير النفط بتحسين حياة المواطنين، والدعوة إلى دعم القوات المسلحة، والتأكيد على إنهاء الانقلاب، كلها رسائل تهدف إلى نقل الصراع من دائرة رد الفعل إلى دائرة المبادرة السياسية والوطنية.
غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بقدرة القوى المناهضة لميليشيا الحوثي الارهابية على تجاوز خلافاتها، وبناء رؤية مشتركة لمرحلة ما بعد الصراع. فاستعادة الدولة لا تعني فقط إنهاء سيطرة جماعة مسلحة، بل تعني أيضاً بناء نظام سياسي قادر على منع تكرار الأزمات، وإيجاد صيغة وطنية تستوعب مختلف مكونات المجتمع اليمني في إطار الدولة والقانون.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار ميليشيا الحوثي الارهابية في استخدام موقع اليمن الجغرافي ورقة ضغط في الصراعات الإقليمية يحمل مخاطر تتجاوز الداخل اليمني. فتهديد أمن البحر الأحمر أو الملاحة الدولية لا يؤثر على الخصوم الإقليميين فحسب، وإنما يضع اليمن أمام مسؤولية تاريخية حيال موقعه الجغرافي ودوره الطبيعي في المنطقة. فاليمن القوي المستقر يمكن أن يكون عامل توازن وأمن، بينما اليمن الذي تسيطر عليه مشاريع مسلحة مرتبطة بصراعات خارجية سيظل مصدراً للتوتر وعدم الاستقرار.
إن مسار القدم الإيرانية في اليمن يكشف أن المشروع بدأ بخطوات تدريجية ومدروسة، انتقلت من بناء العلاقات والتأثير الثقافي إلى تشكيل قوة سياسية وعسكرية تمكنت في لحظة تاريخية استثنائية من السيطرة على مؤسسات الدولة. غير أن التاريخ يؤكد أيضاً أن النفوذ القائم على إضعاف الدولة لا يمكن أن يكون بديلاً منها، وأن المشاريع التي تقوم على القوة وحدها تظل عاجزة عن بناء شرعية مستدامة.
ويبقى مستقبل اليمن مرتبطاً بقدرة أبنائه على استعادة دولتهم، وبناء مؤسساتهم، وتحصين قرارهم الوطني من أي تدخل خارجي. فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما حول طبيعة الدولة التي ستتشكل بعد سنوات الصراع؛ هل ستكون دولة وطنية تستند إلى الدستور والقانون والشراكة، أم ستبقى ساحة مفتوحة لتنافس المشاريع الإقليمية.
لقد أثبتت التجربة أن اليمن، بموقعه وتاريخه وثقله الحضاري، أكبر من أن يكون مجرد ورقة في صراعات الآخرين. وأن استعادة دوره الطبيعي لن تتحقق إلا عندما يستعيد سيادته، وتعود مؤسسات الدولة لتكون المرجعية الوحيدة لكل اليمنيين. وعندها فقط يمكن اليمن أن ينتقل من مرحلة الصراع على الدولة إلى مرحلة بناء الدولة، ومن موقع الساحة المتأثرة بالأزمات الإقليمية إلى موقع الدولة الفاعلة التي تساهم في أمن محيطها العربي والدولي واستقراره.
*سفير الجمهورية اليمنية في لبنان
نبض