وما الدنيا إلا ملعب كبير!

آراء 15-07-2026 | 04:05

وما الدنيا إلا ملعب كبير!

تجد في الملعب، كما في السياسة، من يتصدّر المستطيل الأخضر ويختطف الأضواء والرهانات، ومن لا يُسمح له إلا بحيّزٍ في كراسي المتفرجين ودافعي الضرائب.

وما الدنيا إلا ملعب كبير!
ترامب قادر أن يجعل من نفسه عنواناً لكل حدث (أ ف ب)
Smaller Bigger

لستُ متابعاً جيداً للرياضة، لكن كأس العالم وأخباره هي التي تتابعنا إلى كل مكان. لا مفرّ لك من سماع دويّ المدرّجات، حتى إن كنت في غرفة مكتظة بالكتب، لا تلفاز فيها ولا شاشة.

يتصدر الخبر شاشة هاتفك، ويحتل طرف كل لسان. تشرب قهوتك في مكانٍ قصيّ، على آخر شرفة في طنجة، فيأتيك النادل مبتسماً، ولا يجد ما يفتتح به الحديث إلا السؤال عن الكأس. وقبل أن يغادر، يرن الهاتف من أعلى جبل في جنوب تعز، في اليمن، فيقول لك صديق أنهكته عملية قلب: "هل تتابع كأس العالم؟" فتجيبه مبتسماً: "الكأس في أميركا... أما المتابعة ووجع القلب ففي كل مكان".

هكذا أصبحت كرة القدم شعوراً متناقضاً؛ بهجةً وقلقاً يحيطان بالعالم كله. لكن ما يشدّني ليس المستطيل الأخضر، بل ما يدور حوله من سياسة. فنحن أبناء جيلٍ حاصرته نظرية المؤامرة. جيل يردّ كل شيء إلى السياسة، من إغلاق مضيق هرمز إلى تعطل هاتفك فجأة، دون أن تعرف السبب. لا شيء يحدث مصادفة... أو هكذا تربينا. فكيف إذا دخل دونالد ترامب إلى الملعب؟

الرئيس المفتون بالأضواء، والقادر على أن يجعل من نفسه عنواناً لكل حدث، حضر هذه المرة من بوابة كرة القدم، وصار - بتعبير أهل الرياضة - رأس الحربة وصانع الأهداف. وضجّت وسائل الإعلام بالجدل الذي رافق تعليقه على إحدى الحالات التحكيمية، ورفضه للبطاقة الحمراء التي أُعطيت للاعبٍ أميركي، حتى بدا كأن النقاش غادر الملعب إلى السياسة.

وحين يقول رئيس دولة عظمى إن القرار التحكيمي لم يكن صائباً، يصبح السؤال أكبر من كرة القدم: من يملك الكلمة الأخيرة، الحكم أم النفوذ؟

في الرواية الساخرة، لم تعد حاملات الطائرات هي التي تتحرك، بل الهواتف الديبلوماسية. وكأن البيت الأبيض اكتشف أن مكالمة واحدة قد تؤدي ما كانت تؤديه الأساطيل.

أما اتحاد الفيفا، فوجد نفسه بين نصوص القانون وثقل السياسة، وبين قواعد اللعبة وضغوط القوى الكبرى. ففضّل القوى الكبرى وضرب بالقواعد والقوانين خارج الملعب.

لكن أوروبا كان لها رأي آخر. فما عجزت عنه النقاشات خارج الملعب، حُسم داخل المستطيل الأخضر. وجاء الرد من بلجيكا، التي أنهت الحلم الأميركي بأربعة أهداف، وكأنها تقول إن ما لا يُحسم في المكاتب قد يُحسم في الملاعب. وهنا تبدأ مدرسة نظرية المؤامرة عملها المعتاد.

هل يجتمع الناتو هذا الأسبوع بسبب مضائق العالم... أم بسبب كأس العالم؟ وهل ستسمح أميركا بأن تغادر الكأس أراضيها؟ ولماذا لا تُمنح كأسان هذه المرة، واحدة للبطل، وأخرى لسيد التنظيم؟ وإن كان مستوى التنظيم في هذه الدورة دون المأمول.

لعلها أفضل تسوية سياسية في تاريخ الرياضة، تمنح الجميع شعوراً بالانتصار، وتُخرج الفيفا من حرج السياسة بأقل الخسائر، وأكثر الأرباح والفضائح.

ويأتيك صديق آخر، وهو يطلق قهقهةً ساخرة، ليواصل بناء نظريته بثقة لا تهتز، فيقول: وكيف تفسّر أن بعض المنتخبات خرجت من البطولة بنتائج تبدو أقرب إلى الحسابات منها إلى مفاجآت الكرة؟

فقد خرج منتخب إيران بعد ثلاث مباريات انتهت كلها بالتعادل. أليست تلك نتيجةً أقرب إلى مذكرة تفاهم منها إلى نتائج الحظ في اللعبة المستديرة؟

ثم يضيف: هل يُعقل أن يرضى رعاة اللعبة، وأباطرة الإعلانات، وسوق المليارات، بخروج كل الأسماء الكبرى مبكراً؟ أين تذهب نسب المشاهدة؟ ومن يعوّض خسائر المراهنات والإعلانات؟

في عالم المؤامرة، لا مكان للحظ... فالمصلحة قبل الأخلاق، والأسهم قبل المتعة!

أقول ذلك، وأنا لا أحب الرياضة كثيراً، ولا السياسة أكثر منها، ولكن... من يتركك وشأنك في هذا العالم، وأنت تجلس في مكان قصيّ وجميل، تحاول أن تقرأ كتاباً عن العدالة المناخية، بينما الكرة الأرضية كلها تتحوّل إلى كرة قدم؟

ولعلنا، على غرار المقولة التي اشتهر بها رائد المسرح العربي يوسف وهبي، المستوحاة من شكسبير، لم نعد نقول: "وما الدنيا إلا مسرح كبير"، بل أصبح الأصدق في زمننا أن نقول:

"وما الدنيا إلا ملعب كبير".

فلم تعد السياسة تُدار في قاعات المفاوضات وحدها، ولا الحروب تُحسم في ميادين القتال فقط، بل امتدت إلى الملاعب، حيث تتقاطع المصالح، وتتبارى الدول في النفوذ والرمزية، وتغدو كرة القدم، في كثير من الأحيان، جزءاً من لعبة الأمم؛ يتداخل فيها الإعلام بالقوة الناعمة، والرياضة بالسياسة، حتى أصبح الملعب مرآةً للعالم بكل صراعاته وتحالفاته... وصفاراته أيضاً.

تجد في الملعب، كما في السياسة، من يتصدر المستطيل الأخضر ويختطف الأضواء والرهانات، ومن لا يُسمح له إلا بحيّزٍ في كراسي المتفرجين ودافعي الضرائب.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
دوليات 7/14/2026 6:25:00 AM
الذهب عند أدنى مستوى في أسبوعين و تراجع المعادن النفيسة الأخرى
مكالمة استغاثة بسبب آلام في الصدر، ثم وفاة مفاجئة، لتنكشف لاحقاً تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام. ومع تصاعد التساؤلات، دعا مشرعون إلى تحقيق شامل، فيما بدأت تتكشف كواليس آخر لحظاته
لبنان 7/14/2026 9:44:00 AM
منح تصل إلى 250 ألف دولار للمشروع الواحد... السفارة الأميركية في بيروت تطلق برنامج تمويل جديد لدعم منظمات المجتمع المدني، مع تركيز على الذكاء الاصطناعي، ومحو الأمية الرقمية، ومواجهة المعلومات المضللة.