إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا: تأسيس لـ"جدار برلين جديد"...
يكتسب تصريح لافروف بعداً رمزياً واضحاً، إذ يستند إلى سياق تاريخي مرتبط بجدار برلين بوصفه رمزاً للمواجهة بين روسيا والغرب، في وقت تؤكد فيه موسكو رفضها أي وجود عسكري غربي داخل أوكرانيا باعتباره عامل تصعيد لا استقرار.
د. خالد العزي*
وصلت حالة الصراع في أوكرانيا إلى مرحلة صعبة، بحيث باتت أوكرانيا تؤثر في ميزان القوى العسكري من خلال ضرباتها التي اتخذت شكلاً جديداً عبر استهداف العمق الروسي، إضافة إلى محاولة عزل شبه جزيرة القرم عسكرياً، واستهداف قطاع النفط بشكل موجع، في ظل استمرار الدعم الغربي المفتوح لكييف.
صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 24 حزيران/ يونيو 2026، خلال خطابه وإجاباته على الأسئلة في المنتدى العلمي الثاني عشر للديبلوماسيين الروس تحت عنوان "قراءات بريماكوف" في مبنى وزارة الخارجية الروسية، بأن أي محاولة افتراضية لإرسال قوات غربية إلى الأراضي الأوكرانية ستؤدي إلى إنشاء "جدار برلين جديد"، معتبراً أن هذا الخيار يمثل تحولاً خطيراً في مسار الصراع.
وفي ظل التغييرات السياسية والجيوسياسية في المنطقة، والهجمات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي، يبرز احتمال تصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهةٍ أوسع بين روسيا والغرب أو جبهة جديدة مع الناتو، ما يعزز المخاوف من انزلاق الصراع نحو مستوياتٍ أكثر خطورة.
ويرى مراقبون أن هذا التصريح ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل رسالة موجهة إلى الرأي العام الأوروبي، من خلال استحضار رمز تاريخي يعكس تجربة ألمانيا المقسمة خلال الحرب الباردة.
روسيا والغرب: صراع قادم أو حرب باردة
وتتخوف روسيا من نشر قوات غربية في أوكرانيا ضمن ما تُسمّى بقوات الاستقرار، والتي تُطرح كجزء من ضمانات أمنية تقدمها أوروبا لكييف، إذ تعتبر موسكو أن ذلك سيؤدي عملياً إلى "جدار برلين جديد ودائم"، مؤكدة رفضها القاطع لهذا الخيار.
وفي ظل ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين"، الذي يضم أكثر من 30 دولة متحالفة مع كييف والذي أعلن عن نية إرسال قوات إلى أوكرانيا مع توقيع "إعلان نوايا" في يناير/كانون الثاني، تؤكد روسيا أنها ستعتبر أي وجود عسكري أجنبي أو منشآت عسكرية في أوكرانيا تدخلاً مباشراً، وأن هذه القوات ستصبح أهدافاً عسكرية مشروعة.
وفي السياق ذاته، جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأكيد استعداد روسيا لمحادثات السلام، مشيراً إلى إمكان استئنافها على أساس اتفاقات إسطنبول، إضافة إلى الأطر التي نوقشت في أنكوريج والواقع القائم على الأرض.
الحوار الروسي-الأوكراني وفقاً لشروط موسكو
يأتي ذلك بعد إعلان بوتين استعداده للجلوس مع أوكرانيا، حيث حدد شروط التسوية في انسحاب القوات الأوكرانية من حدود أربع مناطق، وتخلي كييف عن مسار الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وإعلان حيادها وخلوها من الأسلحة النووية، إلى جانب رفع العقوبات الغربية والاعتراف الدولي بعدد من المناطق كأراضٍ تابعة للاتحاد الروسي.
وفي هذا السياق، يشير الخبراء إلى أن تصريحات بوتين ولافروف تعكس انسجاماً في الموقف الروسي، وأن إشارة وزير الخارجية إلى "جدار برلين" تحمل رسالة سياسية مباشرة إلى الخارج وليست إحالة تاريخية فقط.
روسيا تخاطب الرأي العام الغربي
ويرى محللون أن لافروف يخاطب الأوروبيين عبر استحضار صورة الانقسام الألماني، للتأكيد أن التصعيد قد لا يقتصر على خسائر اقتصادية، بل قد يمتد إلى خسائر بشرية في حال نشر قوات في أوكرانيا.
كما أن استخدام هذا الرمز جاء عن قصد، ويحمل دلالات قوية في الوعي الأوروبي، رغم استمرار الشكوك حول مدى تجاوب أوروبا مع هذه التحذيرات.
ويهدف هذا الخطاب إلى التأكيد أن روسيا لا تسعى إلى عزل نفسها عن أوروبا أو الدخول في حرب ضدها، بل إن السياسات الغربية هي التي تهدد عملياً بإنشاء هذا "الجدار".
ومن الناحية العسكرية، يشير التصريح إلى أن وجود قوات أوروبية في أوكرانيا سيغيّر قواعد اللعبة، إذ إن روسيا تتجنب حالياً التصعيد المباشر، لكن ظهور وحدات نظامية أوروبية سيجبرها على إعادة النظر في طبيعة العمليات العسكرية، مع احتمال أن يمتد التصعيد ليشمل الأراضي الأوروبية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب التصريح بعداً رمزياً واضحاً، إذ يستند لافروف إلى سياقٍ تاريخي مرتبط بجدار برلين بوصفه رمزاً للمواجهة بين روسيا والغرب، في وقت تؤكد فيه موسكو رفضها أي وجود عسكري غربي داخل أوكرانيا باعتباره عامل تصعيد لا استقرار.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض