ذكرى استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد
القاضي الشيخ د. محمد نقري
في السادس عشر من شهر أيار تمر على لبنان الذكرى السابعة والثلاثون لاستشهاد المفتي الشيخ حسن خالد، حيث دوى الانفجار في سيارته عند حوالي الساعة الواحدة ظهراً سنة 1989 بعبوة ناسفة قدرت كمية المتفجرات فيها بنحو 150 كيلوغراماً، مما أدى إلى مقتله على الفور عن عمر ناهز السبعة والستين عاماً، إلى جانب عشرين شخصًا آخرين. وقد كان المفتي الشيخ حسن خالد قد عاد للتو من اجتماع معه كان قد ندد خلاله بقصف الجيش السوري للمناطق اللبنانية. أشارت الاتهامات إلى مخابرات حافظ الأسد لما كان يعرف عن المفتي حسن خالد معارضته القوية للهيمنة السورية على لبنان. قبل اغتياله بيوم، تحدث علنًا ضد النظام السوري وأرسل رسائل تندد بجرائمه. كما كشفت شهادات أنه تلقى تهديدات عبر هاتفه قبل الحادثة مباشرة، كما جاء في مذكرات دولة الرئيس صائب سلام أن الشيخ حسن خالد كان على خلاف مع السياسة السورية، مما عزز شكوك تورط دمشق في الاغتيال بسبب مواقفه الوطنية المعارضة للوصاية.
في تقاطع القرنين العشرين والواحد والعشرين شغلت منصب المدير العام لدار الفتوى، أذكر حينها بأنه كانت ترد الى مكتبي رسائل بريدية تحمل اسم سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد. أمام هيبة هذا الإسم الذي كان قد استشهد من أجل لبنان منذ سنوات عديدة كنت أطوي الرسالة في كل مرة وأقول : لقد أتعبت من جاء بعدك يا سماحة المفتي. شهادة أضيفها الى هذه الحادثة، كلما تحدثت عنه مع من خلفه على كرسي الإفتاء، بل ومع كل من عرفوه، تبرق أعينهم تقديراً واحتراماً لذكراه، وتكاد تسمع من اختلاجات أنفسهم شعوراً بالهيبة لاستحضار أسمه وكأنه ما زال في مكتبه يدير شؤون المؤسسات الدينية وفي مجالسه يستقبل الوفود الوطنية والأجنبية وعلى منبره يخطب دفاعاً عن استقلالية لبنان ونهائية حدوده ويستنهض الهمم للدفاع عن اقتحام ميليشيات الأحزاب لبيروت والإقتتال في شوارعها.
من هذه الاطلالة، تدبرت سيرة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، فوجدت بأن وهج ذكراه التي كانت نتاج قوة شخصيته وهيبته وصلابة مواقفه وقدرته وجرأته على المواجهة وغيرته الوطنية بلا منازع، أشاحت الضوء عن مسيرة من سبقه ومن جاء من بعده من مفتين. أذكر عندما كنت طالباً في أزهر لبنان التابع لدار الفتوى، عندما أثير موضوع إنشاء ميليشيا سنية على غرار ميليشيات باقي الطوائف، فكنا ننتقل من منزل الى منزل و منهما إلى مكتب وتجمع لأعيان الطائفة السنية وملتقى لقضاة ومستشارين لدى المحكمة الشرعية وخطباء وأئمة مساجد لمطالبة المفتي بإنشاء ميليشيا سنية مسلحة للدفاع عن حقوق الطائفة بعد أن أنشأت كل الطوائف ميليشيا خاصة بها، وكان الإقتراح الى المفتي حسن خالد بالطلب الى المنظمات الفلسطينية بمساعدة وتسليح الميليشيا السنية. كان الرفض مزلزلاً من قبل المفتي الشهيد وفي كل مواقفه وخطاباته كان يرفض هذا المشروع. في كلام وجهه حينها إلى ياسر عرفات سجل له التاريخ هذا الموقف الرافض : "لا.. لن أقبل أن يكون للمسلمين السنة ميليشياتهم من أجل فلسطين.. أنتم أيها الفلسطينيون جيش السنة إلى فلسطين.. أما نحن فلا.. لن نؤسس ميليشيا في بلد يقتل فيه الأخ أخاه".
ذكر لي أحد مرافقيه الذي نجا من حادثة الإنفجار وكان قد أصيب خلالها بأنه ذات مرة أطل من شرفة منزله قبل ذهابه الى دار الفتوى فوجد ثلة من حرس الميليشيا التابعة للمرابطون تتجهز لحمايته ومرافقته، فأجرى اتصالاً فورياً بقادتهم وطلب منهم الإخلاء الفوري للمكان فهو لا يرغب بحماية أحد رغم أنه كان يتلقى التهديدات تلو التهديدات من مخابرات حافظ الأسد.
وأما على صعيد علاقاته الوطنية فقد كانت تربطه بالبطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير علاقة صداقة واحترام وتقدير، حيث كانت تعتبر نموذجًا فريدًا للوحدة الوطنية في لبنان، فلقد تجاوزا في زمن الحرب الأهلية حدود الطوائف ليجسّدا تحالفًا وطنيًا قائمًا على رفض العنف والوصاية الخارجية، وسعيهما المشترك لإنقاذ البلاد من الانقسام . من ملامح هذه العلاقة:
· وحدة الموقف السياسي : حيث وقفا معًا في خندق واحد ضد الحرب الأهلية وأية هيمنة خارجية على القرار اللبناني، رافضين بشدة الوصاية السورية كونهما يريانها تهديدًا لسيادة واستقلال لبنان.
· طريق الحوار في زمن الحرب : في خضم لغة السلاح التي مزقت البلاد، عمل البطريرك صفير والمفتي حسن خالد على بناء جسور مشتركة حقيقية بين المسيحيين والمسلمين من خلال مبادرات الحوار والتفاهم، سعيًا لإنهاء النزاع الداخلي والعودة إلى طاولة التفاوض.
· ثنائي مناضل ومستهدف : أدرك النظام السوري آنذاك أن هذا الثنائي يشكل خطرًا على نفوذه، مما جعل كلا من المرجعيتين الدينيتين والوطنيتين مُستهدفين على قوائم الاغتيال. وبالفعل، دفع المفتي خالد حياته ثمنًا لمواقفه، بينما نجا البطريرك صفير من عدة محاولات اغتيال.
عقب اغتيال المفتي الشيخ حسن خالد اتخذ البطريرك صفير قرارًا وصفته كل المصادر بـ"السابقة الوطنية غير المسبوقة"، حيث أمر في 18 أيار 1989 بفتح أبواب الصرح البطريركي في بكركي رسميًا لتقبّل التعازي باستشهاده. كانت هذه المبادرة بمثابة ردّ سياسي واعتباري عالي الدلالة، أراد البطريرك صفير بهذه الخطوة أن يوجه رسالة مفادها أن اغتيال المفتي حسن خالد هو اغتيال للبنان والوحدة الوطنية بأسرها، وقد جسّد هذا الحدث تتويجًا عمليًا للوحدة الوطنية والعيش المشترك اللذين كانا محور حياة وعمل المرجعيتين الدينيتين والوطنيتين، مما جعل دار الفتوى والصرح البطريركي في بكركي صرحًا وطنيًا واحدًا لاستقبال اللبنانيين جميعًا.
من آلام ذكرى استشهاده، ومن هذا الفراغ الذي تركه لنا على صعيد الوطن والحوار الإسلامي المسيحي، وعلى صعيد المؤسسات الدينية الإسلامية، أدركت هذه الحقيقة التي اصطفيتها مثلاً من جمالية ما نراه من ابداعات هذا الكون الفسيح، مما يضفي انجذاباً للعين وانعتاقاً للروح وتدبراً وتفكيراً لما تعكسه من إشارات وعبر في حياة البشر، ان البدر كلما اكتمل وازداد اشعاعاً ونوراً، خفتت أضواء النجوم المحيطة به حتى لا تكاد تنكشف للناظرين.
هكذا هي سيرة بعض العظماء، فبوهج انجازاتهم ومحاسن أعمالهم خفتت سيرة من كان قبلهم ومن جاء بعدهم، فما تكاد تمر على ما حققه السابقون واللاحقون من إنجازات الا وتجده مقارنة بما قدمه العظماء أقرب ما يكون الى السراب في الصحراء الجدباء والضباب حين يلامس الأرض بالسماء.
.... حقاً وصدقا لقد أتعبت أيها المفتي الشهيد من جاء بعدك على كرسي الإفتاء...نفتقدك وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
نبض