لبنان من اتفاق الهدنة إلى الميثاق الوطني: ألوان المكتسبات والمزالق والخطوط واللجان (1)

آراء 15-05-2026 | 07:39

لبنان من اتفاق الهدنة إلى الميثاق الوطني: ألوان المكتسبات والمزالق والخطوط واللجان (1)

إنّ اتفاق الهدنة العامة هو الوثيقة الدولية الاساسية والجوهرية من حيث تأكيد حدود لبنان الدولية ووحدة وسلامة أراضيه
لبنان من اتفاق الهدنة إلى الميثاق الوطني: ألوان المكتسبات والمزالق والخطوط واللجان (1)
غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (أ ف ب).
Smaller Bigger

جبران صوفان

سفير لبنان لدى الأمم المتحدة في جنيف سابقاً

 

 

في أعمال الرحابنة الفنيّة والسيدة الجليلة فيروز نبوءات عن لبنان والمنطقة، عمّن "يأملون بعيداً" كما قال الامام علي، عليه السلام، فيسقطون ذريعاً في صراع مستميت بين الاحلام الوردية والامنيات الجامحة والاماني الخائبة. وإذا كان أشعياء النبي، كما تورد دائرة المعارف البريطانية، قد "أطلق على زوجته تسمية النبيّة ثم اتّسعت حلقة العمل النبوي لتشمل مدرسة أشعياء"، ففي مدرسة الرحابنة، الكل عارف بالرؤى، بزهو أفراحها وبغمّ أتراحها.

 

ليس عبثاً أن غنّت فيروز عام 1962، "القمر بيضوّي عالناس ... والناس بيتقاتلوا"، فنحن نتقاتل وإسرائيل تقتلنا وقمر الزمان أنِف جيرتنا والمسيّرات الانقضاضية احتلت  سمانا، وما عاد عندنا حجر ولا جسور ولا شجر، فقط غريب يجاور غريب في وطن الغرائب. أقول هذا فيما لبنان يباشر التفاوض مع إسرائيل بعد إقحامه في حرب ضروس بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، حيث الاسلحة المتطورة والمستخدمة من جوية وبحرية وصاروخية والجهود الدبلوماسية عجزت عن إنهاء الحرب الإقليمية والمعالجة الجذرية لأسبابها ولمسبّباتها ، والتي تدور بحسب معلّق سياسي في جريدة Le Monde " " كمن يحاول إفراغ البحر بملعقة! .

 

ليس لبنان في أحسن حالاته على خلفية  التردّي الاقتصادي والبؤس الاجتماعي والإرهاق النفسي والانقسام الداخلي والفشل الاخلاقي والتربوي والهلوسة السياسية. ولا يبدو مألوفاً ولا مشجعًا التفاوض في الداخل بموازاة التفاوض مع الخارج، ما يعكس عمق الهوّة ومحاولة الحكم لملمة فتات هذا البلد المنهك بأداء سياسّييه بقدر أعدائه. وبالرغم من دقّة المرحلة وخطورتها وامتلاك اسرائيل القدرات العسكرية والتدميرية الفائقة، لا يزال لبنان الرسمي يحتفظ بورقتين قويّتين في المفاوضات وهما الصفة الشرعية واتفاق الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل الموقع بتاريخ 23 آذار 1949. 

 


ليس المقصود هنا وثيقة الهدنة العامة كمستند قانوني فحسب ، وإنما ارتباطه ،مع ذلك، بـ مجلس الأمن الدولي والذي على الرغم من الاعتداءات والاحتلالات الاسرائيلية ، ومن استباحة  الفلسطينيين للحدود اللبنانية الإسرائيلية رغم أنف الدولة، بقي المجلس حريصاً معها على المحافظة على اتفاق الهدنة بدليل اعتماده كمرجعية في قراراته المتعلّقة بلبنان ولم يتركه لقمة سائغة  للإخوة والضيوف والأعداء. وقد يكون السبب عدم امتلاكه عصا سحرية لحلّ مشكلة الشرق الاوسط  وتداعياتها على لبنان. ولما كان لبنان قد بدأ التفاوض مع إسرائيل ، فالإتفاق ،الذي  يتضمّن فقرات متصلة بكيانه ، يتطلّب العناية المطلقة لا سيما وأننا نعيش في زمن التحوّلات التي تمسّ العالم بأسره ومفهوم السلم والأمن الدوليين.  

 

قرأت في وسائل الاعلام عن الحيطة والتيقّظ جراء تخلّي إسرائيل عن اتفاق الهدنة العامة والمثابرة على انتهاك أحكامه وإفشال تطبيقه لاسيما منذ عام 1967. يقابل هذا الشعور تمسّك مرجعيات بالاتفاق والدعوة "لإحيائه" مع آراء عامة لتحسين بعض مندرجاته أو تطوير أو تعديل بعض بنوده.


 لست خبيراً في الشؤون الدبلوماسية وإن كنت قد مارست العمل الدبلوماسي قرابة أربعة عقود ولا خبيراً في المسائل القانونية رغم تدرّجي لسنوات في القانون في مكتب العملاقين فؤاد بطرس وبهيج طبارة أطال الله بعمره، حيث للقانون حرمته وناصيته، وإنما في ضوء تجربتي المهنية، أودّ الاضاءة على بعض النقاط المقترنة بقناعاتي، وعليه أبدي ما يلي:

 

 

دمار في بيروت (نبيل اسماعيل).
دمار في بيروت (نبيل اسماعيل).

 

أولاً - المحافظة على مكتسبات اتفاق الهدنة والتنبّه لمزالق التعديلات

في هذه المعمعة، إن اتفاق الهدنة العامة هو الوثيقة الدولية الاساسية والجوهرية من حيث تأكيد حدود لبنان الدولية ووحدة وسلامة أراضيه، المكرّسة في المادة 5 فقرة 1منه، ليس فقط تجاه المجتمع الدولي بل خاصة تجاه إسرائيل. وتبعاً لمندراجته، يشكّل الإطار القانوني لحلّ الشكاوى الواردة من طرفيه. والأهم بأنه يتميّز بالصلة الوثيقة بمجلس الامن الدولي الذي صدّق عليه بموجب القرار رقم ٧٣ تاريخ ١١ تشرين الثاني ١٩49، واستند إليه كأداة  مرجعية ملزمة كما يتبيّن من الديباجة والفقرات العاملة في القرارين 332 تاريخ 2 نيسان 1973 و337 تاريخ 15 آب 1973 لدى انتهاك إسرائيل السيادة اللبنانية في عمق مدينة بيروت ولدى"اختطاف سلاح الجو الإسرائيلي  لطائرة مدنية لبنانية مؤجرة للخطوط الجوية العراقية". وبقي الإتفاق  صامداً من حيث قيمته القانونية رغم ادعاءات إسرائيل لإلغائه عبر الحديث عن خط وقف إطلاق النار بعد حرب العام 1967 وليس خط هدنة،  بالرغم من عدم مشاركة لبنان فيها وبالتالي سقوط الحجة على الصعيد الدولي .  كما أثارت إسرائيل اتفاقية القاهرة التي اعتبرها وزير خارجية العهد الشهابي الثاني فؤاد بطرس خلال المداولات المتعلقة بالقرار 425 ( 1978 ) "ساقطة وملغاة" ، قبل أن تعمد الدولة اللبنانية إلى إلغائها عام 1987، مع الإشارة إلى أن الحكومة اللبنانية رفضت الأخذ باتفاقية القاهرة "في ما  يتعلّق بانتشار قوات الأمن الدولية  وتمركز الجيش اللبناني في الجنوب عام 1978 ". ( " محفوظات غسّان  تويني عن القرار 425 ص 119 ومقالي في "النهار"، بجزئيه تاريخ 7 و11 تشرين الثاني 2025 بعنوان" "قصة اليونيفل والدبلوماسية اللبنانية ومنافذ ونوافذ القرار 2790"  ) 

 


ورغم النوايا الصادقة والمحاولات العديدة التي بذلتها الدولة  اللبنانية لوقف التخطّيات، إلا أنها استمرت ولو متقطعة من جانبي الحدود وإن تعدّدت واختلفت الاسباب.  

 

 ويمتاز اتفاق الهدنة باّلية تعديله الصعبة التي استثنت من مراجعة الفريقين، المادتين الاولى والثالثة منه. وتحظّر المادتان المذكورتان القوات المسلّحة لأي من الفريقين القيام بأي عمل عدواني أو التخطيط له أو التهديد به ضد شعب الفريق الآخر أو قوّاته المسلّحة ، وتمنع أي فئة من القوات العسكرية أو شبه العسكرية  لأي منهما  من ارتكاب أي عمل  حربي أو عدائي ضد قوات الفريق الآخر. كذلك، لا يجوزلأي غرض كان  لقوات أي من الفريقين  تخطّي خط الهدنة أو عبوره ، والذي هو في الواقع والقانون حدود لبنان الدولية مع فلسطين. 

 

وبما يتعدّى الحق المبدئي لأي فريق في طلب تعديل اتفاق هدنة، إن اهتمامات مجلس الامن آنذاك انصبت على "إزالة التهديد للسلام في فلسطين "... وبالتالي إرساء هدنة راسخة وثابتة في جميع قطاعاتها تشمل أيضاً "جميع الاطراف ذات الصلة المباشرة في النزاع" ومنها لبنان. وتقتضي "رسم خطوط هدنة دائمة لا يجوز لقوات الاطراف المعنيّة المسلحة تخطّيها" عملاً بمنطوق القرار رقم 62 الصادر عن مجلس الامن الدولي تحت الفصل السابع بتاريخ 16 تشرين الثاني 1948.


ويتبيّن بأن اتفاقات الهدنة بين كل من مصر والاردن وسوريا ولبنان تندرج كخطوات ملزمة، استجابة لطلب المجلس في قراره المذكور

 

ووفقاً لتوصيف المجلس، تعتبر تلك الاتفاقات "تدابير مؤقتة" استناداً إلى مصطلحات المادة 40 من ميثاق الامم المتحدة ضمن سلسلة من التدابير التصاعدية في حال تفاقم الموقف، ومنها استخدام القوة تحت الفصل السابع منه. وتوضيحاً، قال ألأمين العام للأمم المتحدة  في الوثيقة الرسمية A/670/Add.1 المنشورة عام  1968 :"  كانت هذه الإتفاقيات تعتبر وقت التفاوض على عقدها مجرد خطوة نحوالسلم ، لا أساساً لطراز حياة يكون دائماً في الشرق الأوسط . إن هذه الإتفاقات ليست معاهدات صلح". 


ولو سلّمنا جدلاً بأن آلية التعديل المشار إليها آنفاً مبسّطة وميسّرة أمام لبنان كي يطرح دون معوقات ما يلائمه، فالممارسة المتعلقة بتعديل قرارات أو بيانات دولية استقرت في الامم المتحدة على الركون بادئ ذي بدء إلى النص الاساسي دون استبداله وإنما البناء عليه لأنه يكرّس توافقاً بين الاطراف المعنية نتيجة جهود غالباً ما تكون مضنية بحسب أهمية النّص، وثانياً لأن التقدم بمشروع نصّ جديد قد يخلّ بالتوازنات ويفتح الشهية على مقترحات مستحدثة ومعها مواجهة تعقيدات المساومات. لذلك يصار عادة إلى الاكتفاء بالتعديلات الممكنة على قدر مساحة التوافق على موضوع.


وفي حال مبادرة لبنان إلى طلب "تطوير" بعض مندرجات الاتفاق أو "تعزيزها"  أو "تحصينها"، أو طرح تعديل عليه ، وما لم يكن في موقع المتمكّن والقادر والواثق والمدرك للأثمان، أخشى أن تنزلق الأمور بما يشكل خطراً على مكتسبات لبنان ولا سيما:


أ‌- المادة 5 فقرة 1عن الحدود (" يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين" , استناداً إلى الترسيم المبيّن في اتفاق Paulet -Newcombe الموقّع بتاريخ 7 آذار 1923، والمودعة نسخة منه عصبة الامم المتحدة عام 1924. وما يزيدني تمسّكاً  بالمادة 5 فقرة1 كون حدود لبنان نهائية ومرسّمة ومعترف بها دولياً ، فيما تنشط هذه الأيام الدعوات الإسرائيلية  الصادرة عن وكالات ومنظمات يهودية متطرّفة إلى الإستيطان في جنوبه والترويج لنظرية " الحدود المصطنعة".

 

ب - المادتان 1 و3 حول حظر ارتكاب "أي  عمل عدواني أو حربي أو عدائي" ضد قوات الفريق الآخر العسكرية  أو شبه العسكرية ومنع تخطّي أو عبور خط الهدنة، بما في ذلك المجال الجوي والمياه البحرية ضمن 3 أميال من الخط الساحلي لأي من الفريقين.  

 

ج- المادة 8 فقرة 3 التي تستثني أحكام المادتين الاولى والثالثة من المراجعة أو التعديل أو تعليق العمل  في حال طلب ذلك أحد الفريقين.

 

في هذا الخصوص، أشير إلى الفقرة 43 المرجعية من مقدمة التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة  عن أعمال المنظّمة خلال الفترة 16 حزيران 1966 - 15حزيران1967 بشأن" إتفاقيات الهدنة الأربع المعقودة  بواسطة الأمم المتحدة  بين العرب( ومنهم لبنان) والإسرائيليين" التي " تنصّ على جواز تنقيحها أو وقف تطبيقها بالإتفاق المتبادل بين الطرفين الموقّعين عليها. وهي لا تحوي أي نصّ يجيز إنهاء تطبيقها بصورة منفردة. ولقد كان هذا موقف الأمم المتحدة إلى أن تقرّر هيئة مختصة خلاف ذلك". وما زال القديم على قدمه.

 

د - المادة 7 الفقرتان 1 و6 المتعلقتان بنظام مراقبة خط الهدنة ولاسيما المهام المنوطة بمراقبي الامم المتحدة تحت إشراف هيئة الامم المتحدة لمراقبة الهدنة المعروفة ب UNTSO، المنشأة بموجب قرار مجلس الامن رقم 50 تاريخ 29 أيار 1948 والتي تستعين  اليونيفيل بمراقبيها في عمليات  الرصد والمراقبة على امتداد الخط الازرق.

 

في هذا المجال،  إن الرابط الاساسي بين اليونيفل  وهيئة الامم المتحدة لمراقبة الهدنة ( وكلاهما قوات حفظ سلام ) هو تقرير الأمين العام المرجعي الاول  حول آلية عمل اليونيفل رقم S / 12611  المعتمد بقرار مجلس الامن رقم 426  تاريخ 19 آذار 1978 ، والذي  على أساس التقرير توفّر "ألأنتسو" المراقبين الدوليين " لمساعدة اليونيفل في تأدية مهمتها" ، وهم "يخضعون للقيادة والسيطرة التشغيلية لليونيفل" خلال أدائهم مهام الرصد والتحقّق  والإبلاغ.   وفي الوقت الذي تنشط فيه التكهّنات حول خيارات مجلس الامن بعد انقضاء ولاية القوة الدولية في الجنوب بتاريخ 31 كانون الثاني 2026 ، تبقى أعمال الرقابة والرصد والتحقّق والتواصل والإبلاغ قائمة، فيستمر بأدائها  المراقبون العسكريون  على طول خط  الهدنة (بموجب اختصاص وصلاحيات هيئة  مراقبة الهدنة)، كما حدّد مسبقا" أمين عام الامم المتحدة في الفقرة  e من تقريره المرجعي المذكور، متوقّعاً انتهاء تفويض اليونيفل يوما ما بفعل طبيعتها المؤقتة، وهي فقرة مهمة قلّما أثيرت خلال السنوات الاخيرة.(مزيد من التفاصيل في المقالين أعلاه) . وحيث أن تلك المهام تشكّل الحد الادنى البديهي ، أعتقد بأن الحاجة في جنوب لبنان تستدعي العمل على تعزيزها لما فيه "التأكيد والتشديد" على حدود لبنان  المعترف بها دولياً وفقاً للفقرة العاملة 5 من القرار 1701. 

 

يشتمل اتفاق  الهدنة على "ملحق تحديد قوات الدفاع" " في ما يتعلّق بلبنان (و) في ما يتعلّق بإسرئيل" والذي  برأيي يستوجب قراءته مع الأخذ بعين الاعتبار المستجدّات القانونية  الدولية والميدانية خاصة وأنه وضع  إطاراً محدودأً  للعديد والعدّة  ذا طابع دفاعي للتخفيف من حدّة الإحتكاكات  والمواجهات حفاظاً على الهدنة. 

 

بشأن لبنان، أنشأ مجلس ألأمن اليونيفل عام 1978 التي انتشرت في منطقة عملياتها في الجنوب ، مع تعزيز  أفراد الجيش اللبناني لبسط سلطة الدولة استجابة لقراراته. وقد عمد المجلس إلى إعادة تشكيل اليونيفل reconfiguration  UNIFIL  تبعاً لمقتضيات الحاجة والظروف. 

 

أما على الجانب الإسرائيلي من الحدود، فليس هناك تواجد دولي بسبب تحفظات  إسرائيل،  فيما الحشود الإسرائيلية بحدّ ذاتها تجاوزت القيود التي وضعها ملحق  الإتفاق  وغالباً ما كانت تنتهي بتخطّي خط الحدود إلى التوغّل في المناطق اللبنانية واحتلالها. 

 

 باختصار، إنّ الاحداث الدمويّة لم تتوقف، ومع ذلك  لا يزال اتفاق الهدنة  صامداً وصالحاً ولا يمكن إلغاؤه من طرف واحد ، وبالتالي يوفّر الحماية القانونية للبنان ويستمد زخمه من مجلس الامن الدولي الذي "يؤكد صلاحية الاتفاق" بموجب قراره رقم 450 تاريخ 14 حزيران 1979 ، بالرغم من الأعمال العدائية ، ومن موقف إسرائيل المخالف منذ حرب حزيران 1976والقائم على نظرة توسعية قديمة، وكذلك بالرغم من "تحوّل لبنان إلى ... منصّة للبعث بالرسائل بين المحاور الاقليمية المتصارعة"، كما يورد د.عبد الرؤوف سنّو في كتابه " دولة لبنان الكبير".  فحمل  صندوق البريد اللبناني ،كما هو معروف، رسائل فلسطينية وسورية وإسرائيلية وأخيراً إيرانية . لذلك فإن أي تعديل لإتفاق الهدنة،  يتطلب اليقظة الكاملة للحفاظ على حقوق لبنان  ولأن تعديل اتفاق أو قرار يشبه برأيي عملية التجميل البشرية، فإن لم يحسن الطبيب التصرّف قد ينتهي التجميل "بالتشنيع"! ، والأمر نفسه ينسحب على أية صيغة  مكمّلة أو بديلة مستقبلاً، مع الإشارة إلى أنه لو حصل التنفيذ الكامل وغير المجتزأ للإتفاق لكانت الامور بتقديري قد اتخذت منحى آخر.

 

قصف فوسفوري على جنوب لبنان (أ ف ب).
قصف فوسفوري على جنوب لبنان (أ ف ب).

 

 

ثانياً - اللجان المتعدّدة والخطوط والسياسات الملّونة

قضية لبنان الدولية مزمنة وشائكة بدليل تعدّد اللجان والخطوط ذات الصلة به ومنها:

1 - لجنة الهدنة المشتركة" (1949) ومهمتها الاشراف على تنفيذ أحكام اتفاق الهدنة والبت بالشكاوى والمطالب المرفوعة إليها وتولّي تفسير بنود الاتفاق في حال الاختلاف عليها.

2- لجنة اتصال مشتركة منبثقة عن اتفاق 17 أيار 1984 لاالملغى بتاريخ 5 آذار 1984 وفي اطارها لجنة الترتيبات الأمنية.

3- لجنة مراقبة تطبيق تفاهم نيسان (27نيسان 1996) وتلقي الشكاوى، ومجموعة استشارية "بهدف المساعدة على تلبية حاجات الإعمار في لبنان"

4- آلية اليونيفيل الثلاثية إثر صدور القرار 1701 (2006)

تترأس قيادة اليونيفيل الآلية مع عضوية لبنان وإسرائيل. كانت تجتمع بمقرّها في  الناقورة  بتمثيل عسكري من الجانبين. أصبحت اللجنة ملازمة لعمل اليونيفيل "في السعي لتسهيل التنسيق وإبقاء التوترات منخفضة وبناء الثقة بين الطرفين اللبناني والاسرائيلي" (تقاريرأمين عام الأمم المتحدة الدورية). انفردت قيادة اليونيفيل قبل سواها في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بإنشاء هذه اللجنة إثر صدور القرار 1701 (2006)، وهي موضع تقدير مجلس الامن الدولي والامانة العامة للأمم المتحدة.

5- اللجنة التقنية العسكرية للبنان MTC4L (2024)

يرد ذكرها في المادتين 8  و 9من " إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة.... لتنفيذ القرار 1701" تاريخ 27 تشرين الثاني 2024 حيث  تعمل  ضمنها الولايات المتحدة وفرنسا لتمكين الجيش اللبناني من نشر قواته، والتعاون مع المجتمع الدولي لتعزيز قدراته في محاولة لتنفيذ القرار 1701.

 

6- ولجنة " الميكانزم" المختصة بالرصد والتحقّق والمساعدة في تنفيذ الالتزامات وتلقي الاشعارات بحصول الانتهاكات، وتنسيق تنفيذ القوات الاسرائيلية والجيش اللبناني الخطة المحددة والمفصلة للإنسحاب التدريجي وإعادة الانتشار بمهلة أقصاها 60 يوماً. ( المواد 9 و10 و12 )، وهي برأيي تتولّى مهام اليونيفل معزّزة وإنما ليست فاعلة و فعّالة، قياساً على فداحة الاحداث. 

 

 وتوازياً مع كثرة اللجان، تتعدّد الألوان الملازمة للخطوط، ليس الجنوب بها مزداناً بل مقطّعاً.

 

خريطة للتوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان (النهار).
خريطة للتوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان (النهار).

 

 

وبهذا الصدد أشير إلى ما يلي:

 

1- خط الهدنة أو الخط الأخضر

هو خطّ الترسيم الفاصل بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية المصرية والاردنية واللبنانية والسورية في اتفاقات الهدنة لعام ١٩٤٩. أطلق عليه إسم "الخط الاخضر" نسبة إلى اللون الذي اختير لرسمه على الخرائط المرفقة بالاتفاقات. وترقى هذه الممارسة في فرنسا إلى نهاية القرن التاسع عشر. وإنما الفارق الكبير فيما خصّ تلك الخطوط بين لبنان ومصر على سبيل المثال كون خط الهدنة العائد للبنان هو ذاته خط الحدود الدولية والنهائية المرسّمة مع فلسطين  بناء على التقرير الختامي للجنة " بوليه – نيوكمب"  المتعلّق "بتثبيت الحدود بين لبنان الكبير وسوريا  من جهة وفلسطين من جهة أخرى" والمتضمّن وثيقة الترسيم تاريخ 3 شباط 1922.  وانتهت أعمال اللجنة  بتبادل المذكرات وبالتالي بعقد الاتفاق بين الضابطين نيابة عن فرنسا وانكلترا بتاريخ 7 آذار 1923 وأودع عصبة الامم المتحدة بتاريخ 6 شباط 2024.  في هذا السياق، يشير العميد الركن رياض شيّا في دراسة قيّمة تاريخ كانون الثاني 2021 ومنشورة على الموقع الرسمي للجيش اللبناني إلى ثلاث ترسيمات للحدود.

 

الترسيم الأول للحدود: أجرته لجنة "بوليه – نيوكوب" بناء على تكليفها بموجب اتفاق فرنسي - بريطاني سابق تاريخ 23 كانون الأول 1920. وبعد إنجاز مهمتها، تكرّس الترسيم باتفاق الضابطين الفرنسي والإنكليزي ، الذي " أبرم... وأصبح الترسيم معمولاً به ابتداء من 10آذار 1923".

الترسيم الثاني  للحدود" بعد توقيع اتفاقية الهدنة اللبنانية - الاسرائيلية في 23 آذار 1949 حيث أجرت لجنة مراقبة الهدنة اللبنانية - الاسرائيلية ... ترسيماً جديداً للحدود، هو نفسه ترسیم "بوليه – نيوكوب".

الترسيم الثالث: " لم یکن للحدود بل لما اتّفق على تسميته بالخط الأزرق".

2- الخط الأزرق

باختصار، إنه "خط انسحاب وضعته الأمم المعتمدة في العام ٢٠0٠ بهدف وحيد هو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي ... يتطابق مع خط الحدود الدولية في قسم كبير منه ويتعارض مع تلك الحدود في أماكن ومواقع أخرى. لذا تحفّظ لبنان على الخط الازرق في تلك المناطق، (مراجعة UNIFIL-Press Kit ومجلة الجيش، العميد الركن انطوان مراد العدد 357). استقر الرأي على اعتبار الخط الأزرق هادئاً نسبياً وإن لم يتم التوصّل إلى وقف دائم لإطلاق النار . وبقيت التوترات في منطقة عمليات اليونيفل ضمن الضوابط  رغم المنحى التصاعدي للحوادث التي تعرّضت لها القوة الدولية قبل حرب الإسناد الأولى عام 2023 
هذا في التاريخ الحديث نسبياً ، أما بعد تفلّت الامور على الحدود البرية وعبرها نتيجة حربين متتاليتين لمساندة غزة وإيران ، تغيّرت المعطيات على الارض بفعل الحملة العسكرية والاحتلال الإسرائيلي لمناطق شاسعة في جنوب لبنان وممارسات التدمير والتهجير وسقوط الابرياء والشهداء . ولغاية تاريخه، نعلم كيف بدأ النزاع المسلّح  واحتدم ، ولكننا لا ندري كيف ومتى سينتهي.

3- الخط الأصفر          

يبلغ عمق الخط الاصفر الذي أنشأته إسرائيل حوالي ١٠ كيلمترات لفصل المناطق التي احتلتها عن بقية جنوب لبنان، ولا أدري إن كان سيتوقف عند هذا الحد. إنه "مستنسخ كفكرة وفلسفة عن الخط الاصفر في غزة ، فتعمد قواتها  في لبنان إلى تدمير وجرف وإزالة معالم قرى وبلدات جنوبية بكاملها، معتبرة بأن الخط المعلن هو "خط دفاع متقدّم " بذريعة حماية مناطقها الشمالية من صواريخ حزب الله. (المراجع تقرير مايا عيد في France 24 أيار 2026). وإنما حماية الاسرائيليين في شمال إسرائيل  أفضت عملياً إلى احتلالات وتعميم  الأذى  الذي أصاب  المدنيين والبنى التحتية  المدنية  دون اعتبار للقانون الدولي الإنساني. في هذا الخصوص, تحدّث  من بيروت بتاريخ 8 أيار الجاري المدير الاقليمي  للدول العربية في "هيئة الامم المتحدة للمرأة" , السيد  Moez Doraid عن "المخاطر الجسيمة التي تهدّد النساء والفتيات في جنوب لبنان " , فأخبر بأن" إحدى النساء باتت مضطرة إلى الخروج لجمع الاعشاب البرية لإعالة أسرتها"، منبهاً "قد نخر الأمل في نفوس كثيرين على خلاف الحروب والنزاعات التي عانى منها لبنان على مدى عقود".( UN News   تاريخ 9 الجاري).

 

وتحدّثت تقارير عن  استحداث الجيش الإسرائيلي "منطقة حمراء تحاذي الخط الأصفر  تتعرّض للقصف المتواصل ولإنذارات الإخلاء " والتي اشتدت قبيل بدء الجولة  الثالثة من المفاوضات في واشنطن.

 

4- الخط الأحمر          

يرد ضمن "الاتفاق السرّي غير المكتوب للعدوّين التاريخيين" ، والمقصود بذلك "التفاهمات السرية بين تل أبيب ودمشق برعاية واشنطن" كما يشرح تفاصيله د. عبد الرؤوف سنّو في كتابه "دولة لبنان الكبير"، ص 112-119. وبموجيه ، "جرى التفاهم مع دمشق عبر الاميركيين والاردنيين لتقسيم لبنان إلى منطقتي نفوذ: سورية في البقاع والشمال وفي الجنوب شمال خط صيدا - جزين، وإسرائيلية بعمق 40 كيلومتراً شمال الحدود الدولية لإسرائيل مع لبنان" ويضيف: "وضِع اتفاق الخط الاحمر موضع التنفيذ عشية الدخول السوري إلى لبنان صيف العام 1976".     

 

ولا يقتصر برأيي الخط الأحمر على لبنان، فلكل دولة خطوط حمر ولاسيما في الظروف الحالية والتي، على غرار البورصة والتداول بالأسهم، ترتفع وتتدنّى قيمها وتزداد أو تنخفض أعدادها تبعاً للأحوال والتشنجات والصدمات والمواجهات السياسية والعسكرية. ومثل العمل في البورصة، تحتاج الخطوط الحمر إلى “شركات الوساطة" لتنفيذ الصفقات، فتنحسر عندئذ حالة الذعر ويستعيد السوق الطمأنينة.                                                           

 

في لبنان، للألوان معانٍ ومغازٍ تتعدّى الميدان اللبناني الى المجالات السياسية والحزبية، وربّ لون يغني عن محاضرة حول القناعات والعقائد والمواقف والانتماءات الحزبية والدينية والتي هي معرّضة لمزالق الاهواء الطائفية. ولا أدلّ على لغة الألوان سوى عنوان مقالة لغسان صليبي في النهار" اللون أصدق إنباء من الخط "، علماً بأن بعض الالوان مرشّحة لتفسيرات عديدة مثل الأحمر الذي بقدر ما يرمز إلى الثورة والحدّة والصخب، ينطوي على معاني الشغف والحرارة والحب.                                                       

 

وبالإشارة إلى الألوان الاساسية لدى الاحزاب، أذكر على سبيل المثال بعض الألوان الطاغية على ما عداها في العلم الواحد المعتمد منها، بما يشكّل  رمزاً أو"هوية بصرية" , إذا جاز التعبير:                                                                                         

البرتقالي( التيار الوطني الحر) الازرق ( تيار المستقبل) الاخضر (أمل)، الاصفر (حزب الله)، الأحمر  (الحزب الشيوعي) فيما أحزاب أخرى تجمع بين عدة ألوان أو رموز مثل القوات اللبنانية والكتائب والوطنيين الاحرار وتيارالمردة. 

 

 ولا ينقص سمانا إلا قوس قزح تعبيراً عن الوحدة من فوق  توطئة لوحدة من تحت مقترنة بزهو الطاووس,  فيظلّل علم  لبنان ما عداه من بيارق وألوان.