من الردع بالوكالة إلى المواجهة المباشرة: تحولات الحرب على إيران
د. وليد صافي*
تحوّلت الحرب مع إيران إلى لحظةٍ كاشفة لتحوّل تدريجي في بنية الردع التي حكمت الإقليم لعقود. ما يجري يعبّر عن انتقالٍ في طبيعة الصراع، من إدارة توتراتٍ محسوبة إلى إعادة تشكيلٍ عميقة في منطق القوة وتوزيعها.
لقد قامت الاستراتيجية الإيرانية، لمدة طويلة، على مفهوم الردع غير المباشر، عبر شبكةٍ من الوكلاء، مدعومةٍ بقدرات صاروخية وخطابٍ تهديدي يطاول الممرات الحيوية في مضيق هرمز وباب المندب. إلا أن هذا النموذج الردعي لم يمنع انتقال الاستهداف إلى إيران وعمق البنى العسكرية والصناعية فيها، والتهديد بضرباتٍ تمسّ مفاصل الاقتصاد والبنى التحتية لقطاعي النفط والمياه. هذا التحول يكشف عن محدودية "منطقة الصراع غير المباشر" كحيّزٍ مريح لإيران لإدارة الصراع مع الأميركيين والإسرائيليين من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة.
بالتوازي، برزت الطاقة كعنصرٍ جيوسياسي في تصاعد حدّة الصراع. لم تعد منشآت النفط وخطوط الإمداد مجرد أهدافٍ عرضية، بل تحوّلت إلى أدوات ضغطٍ استراتيجية، تُستخدم لإعادة صياغة موازين القوى. بذلك، اندمج الأمن الطاقوي بالأمن العسكري في معادلةٍ واحدة، بحيث أصبح استقرار الأسواق جزءاً من حسابات الردع، لا نتيجة لها فقط. هذه الحسابات راهنت عليها إيران بعدما فقدت قدرة الردع على منع استهدافها، وانتقلت إلى الردع القائم على الإيلام ورفع تكلفة الحرب من خلال استهداف منشآت الطاقة في الخليج وإحداث أزمةٍ في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، قفزت الأهمية في هذه الحرب إلى الممرات البحرية، والمضائق، والجزر، التي صارت تتصدر المشهد. السيطرة على هذه الممرات حوّلت الطاقة من سلعةٍ عالمية بعد أزمة النفط عام 1973، إلى أداةٍ جيوسياسية للتأثير في مجرى الحرب ونتائجها. فإن أي صراعٍ مستقبلي في المنطقة سيُقاس بمدى القدرة على التأثير في هذه العوامل، لا بمجرد السيطرة على الأرض، علماً أن هذا الأمر يبقى من العوامل الأساسية في حسم نتائج الحروب.
في هذا السياق، بات من الممكن استهداف منشآتٍ حيوية داخل الدول من دون إعلان الحرب عليها، كما حصل في الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. كذلك تحوّلت أراضي بعض الدول إلى مسارحٍ لصراعاتٍ بعيدة عن مصالح هذه الدول وشعوبها. والمثل الصارخ في هذا المجال ما جرى في لبنان والعراق، إذ تآكلت قدرة هاتين الدولتين على احتكار قرار الحرب والسلم ومنع استخدام أراضيهما في الصراعات القائمة.
في موازاة ذلك، فُتحت الطريق نحو تشكيل أنماطٍ جديدة من التحالفات، تقوم على مقتضياتٍ أمنية مباشرة. تحالفات بحرية لحماية الملاحة، وتنسيق دفاعي جوي، وترتيبات عملياتية عابرة للحدود، كلها مؤشرات على انتقالٍ تدريجي نحو مفهومٍ أكثر واقعيةً للأمن الجماعي. وفي هذا السياق، ستكون دول مجلس التعاون الخليجي أمام تحديات صياغةٍ جديدة لمفهوم الأمن الجماعي الخليجي في ضوء التهديدات الإيرانية المباشرة لها، والقدرة على تعطيل الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب.
هذا التحول لم يقتصر على الفاعلين الإقليميين، بل أعاد أيضاً تموضع القوى الدولية. الولايات المتحدة خرجت من سياسة الاحتواء التي امتدت لعقود، وانخرطت، في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منطق "السلام من خلال القوة" وفي ديناميكية الحرب، من دون التشاور مع الحلفاء الذين يركزون، ولا سيما منهم في أوروبا، على حماية أمن الطاقة مع رفض الانجرار إلى الحرب.
أما الصين، التي تُتّهم بأنها زوّدت إيران عبر أقمارها الصناعية إحداثياتٍ عن المواقع الأميركية في المنطقة، وتستعد لتسليم طهران أنظمة رادارٍ متطورة، فإنها تتعامل علناً بحذرٍ واضح، انطلاقاً من اعتمادها البنيوي على استقرار تدفقات النفط. النتيجة أن الشرق الأوسط استعاد موقعه ساحة تنافسٍ مفتوحة، لكن بأدواتٍ أكثر تعقيداً وترابطاً مع الاقتصاد العالمي.
في ظل هذه المعطيات، تغيّرت أيضاً قواعد التفاوض وفق ميزان القوى الجديد. لم يعد متاحاً أمام إيران فصل الملف النووي عن السياق الإقليمي الأشمل، كما فرضت في الاتفاق النووي مع إدارة أوباما عام 2015، إذ باتت قضايا الصواريخ، والوكلاء، وأمن الطاقة عناصر مترابطةً من ضمن سلةٍ واحدة. هذا الانتقال من التفاوض التقني إلى التفاوض الجيوستراتيجي يعكس تحولاً واضحاً في النظرة الأميركية الجديدة، على أن مصادر التهديد لم تعد محصورة فبالبعد النووي كما كانت الحال في إدارة أوباما.
أما الوكلاء، ولا سيما منهم "حزب الله"، فقد وجدوا أنفسهم أمام معادلةٍ أكثر تعقيداً. فمن جهة، ارتفع مستوى الانكشاف وسقطت السرديات السابقة حول الوظيفة الوطنية للسلاح، ومن جهة أخرى، ارتفعت تكلفة الانخراط في هذه الحروب على كل المستويات. بذلك، تحوّلت هذه القوى، التي تآكلت شرعيتها الوطنية، من أدواتٍ مرنة للردع الإيراني إلى عناصرٍ تفرض تكلفةً كبيرة على دولها مع فقدان القدرة على منع الحرب على إيران أو قلب معادلة ميزان القوى الناشئ عنها.
ضمن هذا المشهد، يبرز لبنان كنموذجٍ لهذه التحولات. لم يعد مجرد ساحة مواجهةٍ محدودة، بل قامت إيران بتحويله إلى جزءٍ عضوي من منظومة ردعٍ إقليمية متشابكة. وقامت إسرائيل، في الوقت عينه، باستغلال هذا الوضع واستخدامه ورقةً لتفعيل اعتداءاتها ومخططاتها وأطماعها التاريخية في هذا البلد. وأمام هذا التحدي، وُضع لبنان أمام مخاطر الانزلاق إلى الفوضى أو إلى دورٍ يتجاوز قدرته على التحكم بمساره وعلى تحمّل نتائجه.
شكّلت الحرب على إيران لحظة تحوّلٍ في قواعد الردع التقليدية، وإعادة تركيبٍ لنظامٍ إقليمي جديد لا يزال في طور التشكل.
في المحصلة، تلقّت إيران ضرباتٍ موجعة في هذه الحرب، وتضرّرت مكانتها الإقليمية بشكلٍ كبير. لكن، في المقابل، لم يتمكن التحالف الأميركي–الإسرائيلي بعد من تحويل تفوقه العسكري في هذه الحرب إلى إنجازاتٍ سياسية. بانتظار نتائج المفاوضات الأميركية–الإيرانية، كي نرى ما إذا كانت المنطقة أمام حلولٍ آنية أم نهائية، لكن المسلّم به حتى الآن أن بنيامين نتانياهو لا يستطيع الادّعاء بولادة شرق أوسطٍ جديد ذي هيمنة إسرائيلية.
*استاذ في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.
نبض