لبنان يناديكم... أنقذوه قبل فوات الأوان
في العتمةِ السياسيةِ القاتمة، تصدحُ آهات الأنين، وينبت العشب الأخضر فوق القبور، وتبكي السّكينة تحت هدير الطائرات، وفوق ويلات الدمار، بينما العذاب يملأ الأرض، ويشتاق العقل إلى الذين ابتعدوا عنه وغدروا به، وتركوا الحِكمةَ تصرخُ في المدى بحثاً عن مستجيبين من بين الضَّالين الذين يركضون في سباق ليلٍ كالح. والمتسابقون ابتعدوا على ظهورِ الخيلِ كي لا يراهم أحد، فلا هم يحبون الكلام، ولا الكلام يأنس للظلام. وعصفورة الشجن باقيةٌ ترتجفُ بين الأغصان، موهولةٌ على ذاتها، وموهولةٌ على من أحبت من عشاق الأرض والزمان.
تقبَّلنا بإرادتنا أن نكون شعباً واحداً، ففُرِض علينا مصيرٌ واحد. لا بأس، لن نيأس، ولن نستسلم، ولن نتراجع، ولن نجاري المُتعطشين للدماء وسط حلقة النار، ومن بين الركام نناديكم: علّوا البيارق علّوها، ضووا الشوارع ضوّوها، فلا بيارقنا ترتاح مخفوقةً إلى تحت، ومأساة شوارعنا التي تحيا نصيبها من مآسيكم، لا تعيش على العتمةِ إذا ما ابتعد بهيقُ الفجر.
أيها القادمون من بين بساتين الخير المنكوبة، ومن على جوانب كروم الزيتون ومشاتل الدخان: تعالوا نبحث عن الحياة في الزنازين المُنيرة، وفي الأزقة المخنوقة، نحطِّم أبواب الزنازين، ونرجم خوف الأزقة بحجارة العمارات المُدمَّرة. وهذه وتلك تحتاج للتفاهم، وتحتاج لنتحدث مع بعضنا البعض، لماذا نبخل على بعضنا البعض بالكلام المباشر، ونفيض تغريداً بالحوارات الافتراضية التي غالباً ما تكونُ لعينة، ولغة التخوين تشوِّه ما تبقى في ذاكرتنا من نوستالجيا جميلة، وبهذه الشكوك تكون إسرائيل قد نجحت بتدمير ما لم يطله إجرام صواريخها. تعالَ يا أخي وشريكي في الوطن إلى لقاء، لا تخف مني، أنا لست عدواً، تحدث معي، فمن تمتمات صوتك أو صدوحه أراك، ففي البدء كانت الكلمة.
لا تحترم القيم
تتفلَّت إسرائيل من كل قيد، وهي بالأساس ليست مبنية على حق، ولا فيها وجهُ حق، ولا تحترم القيم، وبعض مَن يقودها يُمجِّدُ القتل استناداً إلى كلمات "أسفارٍ" غريبة وليست ككلمات الأسفار، وهي غير موجودة بواقع الحال، فلا يهوا همسَ لإبراهيم شراً، وهو لا يفعلُ ذلك، ولا رب العالمين يأمر بالشر، فجميع أبنائه سواسية، خلقهم أحراراً، وأعطاهم الأرض أجمعين ليرأفوا ببعضهم بعضاً، وليتعايشوا أُمماً وقبائل ومكوّنات، وليس لأحدٍ تفضيلٌ على أحد؛ إلا بالتقوى والعطاء والمعرفة والإيمان. فكيف لربِ الحكمةِ والخير والمحبة أن يأمر بالتمييز بين أبنائه وأفراد الرعية؟
العدو من فوقنا وفي جنوب الجنوب، والبحرُ إلى الغربِ - أو الى اليسار إبان رحلة النزوح إلى الشمال، وإلى اليمين خلال مسيرة العودة هائجٌ مائج - أما الشرق فما زال مُنهكاً بالكهوف والأنفاق، وبالسجون والشجون والحيرة، وليس لنا إلا لبنان والإيمان.
الناس يا إخوتي تناديكم، وتشدُّ على أياديكم، وهي بالفعل تفديكم - رحم الله أحمد قعبور وزياد توفيق – لكن مسيرة العذاب طالت، والصبرُ ينفد شيئاً فشيئاً؛ قولوا كلمة من تحت الويلات، علَّها تُجنّبنا المزيد. والمتوحّشون بطائراتهم ومُسيَّراتهم القاتلة، قد يخشون وحدتنا أكثر مما يخشون ما تبقى من مقذوفاتٍ وصواريخ. فوّضوا الدولة بشأن المصير جهاراً، فنهديكم ضيا العينين، ودفء القلب نعطيكم.
منازلة غبر متكافئة
التسوية الخاسرة، مُشرفة إذا كانت من أجل حفظ الدمعة وحجب الدماء، وهي أخفُّ وطأة من هوان الاستمرار في منازلةٍ غير متكافئة مع عدوٍ مُتغطرس لا يأبه للحق، وثقافة الموت مُميتة، وعمليات القتل والمتسببون فيها؛ جرائم، ولا يُقرَّها رب العالمين. فالدماء تجرُّ الدماء "والقملُ يجرُّ السيبان". تعالوا نبحث عن مشتركاتٍ تقارعُ العدو الغاصب، وتحفظ الكرامة والبنيان.
ربطُ لبنان بمنازعات الآخرين مقاربة ليست سوية "وإذا كان الوطن الغالي عسلاً سياسياً طيِّعاً" لا تستهلكوه عن بكرةِ أبيه وإلى آخر رمق، ولا تراهنوا دائماً على نبالة الضحايا، فقد تخرجُ أظافرها يوماً من مكامنِ الأصابع، والموت البطيء هو ذاته مثل الموت بالرصاصة أو بالانفجار أو بالكلمات السامة. فلنبحث عن طريقِ حريرٍ لبنانيٍ جديد، علَّ الرب ينجينا من الشرير ومن هول الدمار ولهبِ الحديد.
نبض